الاثنين، أبريل ٢٥، ٢٠١١

قطع الطرق كوسيلة احتجاج

بينما يقطع مواطنون في قنا الطريق السريع ويمنعون حركة القطارات، ويقطع آخرون في أسوان الطريق احتجاجًا على خطف عمدة قرية، ويبدي الكثير من المعلقين دهشتهم من هذه الظاهرة داعين إلى قمعها باستخدام العنف - يسمونه الحزم- قد يكون مفيداً أن نتذكر حوادث مماثلة في السنوات القليلة الماضية، عندما لجأ الكثير من المواطنين في أقاليم مصر إلى قطع الطرق الرئيسية القريبة منهم كوسيلة للاحتجاج والضغط، وكوسيلة "خشنة" لإيصال صوتهم إلى المسئولين في ظل غياب تمثيل أو تأثير سياسي لهم. رد الفعل الحكومي عادة تراوح بين عصيان الأمن المركزي وقنابل الغاز المسيل للدموع، أو الإسراع للتفاوض والوعود بحل المشكلات.

كثير من هذه الأحداث كان احتجاجًا على حادث مروري ينتج عنه وفاة، مثلا:

عرب الرمل في المنوفية - أغسطس 2007: حولت جنازة ضحايا حادث التصادم بقرية عرب الرمل في المنوفية إلى مظاهرة ضد تجاهل إنشاء كوبري علوي أو حفر نفق أمام القرية لحمايتهم من الموت على طريق القاهرة - الإسكندرية الزراعي. اتهم الأهالي المحافظ والمسؤولين بقتل ضحايا نقطة الموت، الذي راح ضحيتها مزارع وابنته عصر الثلاثاء الماضي. وأكدوا أنهم طالبوا بإنشاء كوبري علوي أو حفر نفق أمام القرية واستطاع أعضاء مجلس الشعب الحصول علي موافقة وزير النقل والمواصلات بحفر نفق سيارات أمام القرية إلا أن المحافظ اللواء حسن حميدة رفض تنفيذ الحفر وتوجه علي رأس حملة من قوات الأمن لإقامة كوبري مشاه أمام القرية.

بركة السبع في المنوفية 7/2008 : شهد أمس طريق مصر- الإسكندرية الزراعي مصادمات دامية بين أهالي احدي القري الواقعة علي الطريق، وقوات الأمن المركزي التي تدخلت لإعادة فتح الطريق الذي أغلقه الاهالي عقب حادث مروري. بدأت المصادمات فور وقوع حادث بين سيارة صدمت اثنين من قرية طوخ طنبشا التابعة لمركز بركة السبع بالمنوفية، وقام الأهالي علي أثرها بقطع الطريق احتجاجا علي استمرار غياب التواجد المروري، وإزهاق أرواح الأهالي بسبب الحوادث المتكررة أمام القرية. تم اخطار مديرية أمن المنوفية وانتقلت قوة أمنية من الأمن المركزي الي موقع الحادث واشتبكت مع الاهالي المتظاهرين والذين قاموا برشق الجنود بالحجارة والزجاجات الفارغة، وقامت قوات الأمن المركزي بتفريق »المتظاهرين« واطلاق قنابل »مسيلة« للدموع، واقتحام القرية، وفرض كردون أمني لمنع وقمع المتظاهرين من العودة لإغلاق الطريق.

ميت غمر في الدقهلية 3/2009: للمرة الثانية خلال شهرين يغلق أهالي مركز ميت غمر طريق ميت غمر القاهرة بسبب حوادث السير أمام قري المركز التى تقع على الطريق السريع .حيث صدمت سيارة ب ثلاثة من أسره واحدة أمام قرية ميت ناجى مركز ميت غمر أثناء محاولتهم عبور الطريق ولقي الثلاثة مصرعهم تباعا عقب نقلهم إلى المستشفي .تجمهر الأهالي أمام القرية وعلى امتداد الطريق وقاموا بحرق إطارات السيارات وقطع الطريق من الاتجاهين من بداية مركز ميت غمر وحتى نهاية بنها , الأمر الذي أدي إلى إصابة المرور علي الطريق السريع بشلل تام .انتقل إلى مكان الحادث سيارة شرطة العميد محمد سعيد وعدد من الضباط إلا أن الأهالي اعتدوا على الضباط وحطموا سيارة الشرطة وحاولوا إشعال النار بها بينما لم يصب أحد من الضباط .

كفر الحصة في القليوبية 12/2009: عاد الهدوء إلى قرية كفر الحصة مركز بنها عقب أحداث التجمهر التى شهدتها القرية بعد حادثى تصادم خلال أسبوع واحد، مما دعا الأهالى إلى قطع الطريق الزراعى السريع مرتين. وبدأ أمس تنفيذ مطالب أهالى القرية وبدأت هيئة الطرق والمحافظة فى التنفيذ على أرض الواقع وبدأ بالفعل فى تعديل الطريق السريع من أمام القرية، بحيث يكون الطريقان متساويين، ويتم حاليا نقل الأعمدة الكهربائية على جانبى الطريقين، وعمل مطبات صناعية بطريقة فنية تساعد فى تهدئة سرعة السيارات أمام القرية، وكذا عمل رصيف فى جانبى الطريق وذلك لمنع الحوادث، كما تقرر تعيين خدمة مرورية على مدار الـ24ساعة وعمل وحدة مرورية فى هذه المنطقة.

القوصية في أسيوط 7/2010: قام أهالي مركز القوصية بمحافظة أسيوط بقطع طريق أسيوط القاهرة الزراعي احتجاجاً على عدم اهتمام السائقين بحياة المواطنين والسرعة الجنونية وتكرار حوادث الطرق التي كان آخر ضحاياها مصرع طفل وإصابة أخرى.

المنيب في الجيزة 9/2010 : قام المئات من أهالي منطقة المنيب بالجيزة بقطع طريق مصر أسيوط الزراعي، بعد أن صدم أمين شرطة كان يقود دراجته البخارية، صبي، مما أحدث به إصابات بالغة. وتجمهر الأهالي على الطريق، واندهشوا من تصرف سيارة الأسعاف التي قامت بنقل أمين الشرطة، وتركت المصاب ينزف دون أن تقوم بإسعافه. وتوقفت حركة سير السيارات المتجهة إلى محافظات الصعيد، عبر طريق مصر أسيوط الزراعي، بسبب قطع الأهالي للطريق. وطالب الأهالى المسئولين بضرورة عمل مطبات بالطريق لتجنب مثل تلك الحوادث، مؤكدين أنها ليست المرة الأولى التى تقع فيها مثل هذه الحوادث.

قرية رحيم في الفيوم وعمر أغا في المنيا 10/2010: جددت أمس ظاهرة قيام المواطنين بقطع الطرق السريعة بسبب حوادث مرورية في‮ ‬محافظتي‮ ‬الفيوم والمنيا‮. ‬قطع أهالي‮ ‬قرية رحيم والقري‮ ‬المجاورة لها طريق الفيوم‮- ‬القاهرة لمدة ساعتين في‮ ‬أعقاب حادث مروري‮ ‬وقع أمام القرية،‮ ‬وأسفر عن مصرع‮ ‬2‮ ‬واصابة‮ ‬15‮ ‬من العاملين في‮ ‬المدينة الصناعية بكوم أوشيم‮. ‬كما قام الأهالي‮ ‬باستخدام حمولة السيارة التي‮ ‬تسببت في‮ ‬الحادث من البلاط في‮ ‬قطع الطريق،‮ ‬طالب الأهالي‮ ‬بإقامة مطبات مرورية لكبح جماح السائقين المتهورين‮.‬ وتجمهر أكثر من‮ ‬500‮ ‬مواطن من أهالي‮ ‬عزبة عمر اغا التابعة لمجلس قروي‮ ‬تلة مركز المنيا،‮ ‬وقطعوا الطريق الرئيسي‮ ‬المؤدي‮ ‬لقري‮ ‬مركز المنيا المعروف بطريق المطار،‮ ‬احتجاجا علي‮ ‬مصرع طفل واصابة عمه في‮ ‬حادث مروري،‮ ‬وقام الاهالي‮ ‬باغلاق الطريق بالحجارة وجذوع الاشجار،‮ ‬وطالبوا بإنشاء مدرسة لمنع تعرض أطفالهم لخطر الموت علي‮ ‬الأسفلت‮.‬

بني هلال في سوهاج 10/2010: قالت مصادر أمنية وشهود عيان ان ثلاثة رجال شرطة أصيبوا يوم الاثنين وحطمت سيارات عديدة في أعمال شغب على طريق سريع خارج قرية بمحافظة سوهاج في جنوب مصر. وقال مصدر ان مئات من سكان قرية بني هلال قذفوا رجال الشرطة بالحجارة في الساعات الاولى من الصباح احتجاجا على اصابة ثلاثة رجال وامرأة في حادث مروري على طريق القاهرة أسوان أطول طريق سريع في مصر.وأضاف أن السكان الغاضبين أغلقوا الطريق لساعات بجذوع النخيل واطارات السيارات التي أشعلوا فيها النيران.

طريق المطار في الاسكندرية 11/2010: نظم العشرات من طلاب الجامعة العمالية وقفة احتجاجية، على الطريق السريع بمنطقة المطار؛ اعتراضاً على ما وصفوه بـ«إهمال الجامعة»، عقب وفاة زميلتهم نهى محمود، فى حادث سيارة. تسببت الوقفة التي استمرت نحو الساعة، فى قطع الطريق السريع، وإحداث شلل بحركة المرور، فيما وصل رجال الأمن إلى مكان الوقفة بعد 40 دقيقة تقريباً من بدئها. طالب الطلاب المسؤولين بإنشاء كوبرى أو تثبيت عسكرى مرور على طريق المشاة، لتأمين حياتهم من «السرعة الجنونية» للسيارات التى تهدد حياتهم.

كوم أوشيم في الفيوم 11/2010: قطع أهالي منطقه كوم اوشيم والعزب المجاورة طريق مصر الفيوم الصحراوي اليوم وتسببوا في وقف حركة المرور على الطريق لساعات إثر دهس سيارة لام وطفلها مما نتج عنه وفاة الطفل وإصابة الأم بإصابات خطيرة ..وندد الأهالي بعدم وجود أي علامات مرورية ولا عسكري مرور على الطريق وطالبوا بوجود رادار لضبط السرعات وضبط المخالفين .. وحرق الأهالي ومعهم أهالي العزب المجاورة “الغرورى والباشا ” إطارات السيارات وأشعلوا النيران وقذفوا بها السيارات العابرة ثم قاموا بإخفاء جثه الطفل في احد المنازل ورفضوا تسليمه للإسعاف لنقله للمشرحة لتشريحه .

في قلما في القليوبية 12/2010: ألقت أجهزة الأمن بالقليوبية القبض على ٤٨ مواطنا بتهم الشغب ومقاومة السلطات وإتلاف المال العام، على خلفية الأحداث التى شهدها طريق «مصر - الإسكندرية الزراعى» السريع مساء أمس الأول، بسبب تصادم أسفر عن مصرع ٢ وإصابة ١٥ آخرين من قرية «قلما» أثناء عبور إحدى السيارات للطريق السريع متجهة إلى القرية، وقطع الأهالى الطريق واشعلوا النيران فى «الكاوتش» وحاولوا إحراق نقطة المرور ومنعوا عبور السيارات فى الاتجاهين لمدة ٥ ساعات.

كما قام المواطنون بالتهديد بقطع الطرق احتجاجاً على نقص مياه الشرب في القليوبية 7/2010: هدد 40 ألف مواطن بقرية قلما مركز قليوب محافظة القليوبية بقطع طريق مصر إسكندرية، بسبب انقطاع المياه لمدة ثلاثة أيام متواصلة حتى الآن، مؤكدين أن الأجهزة التفيذية بالقليوبية لتزمت الصمت التام تجاه هذه الأزمة.

و احتجاجا على أزمة المياه في عدة محافظات أخرى 8/2010: تباينت أسعار «جراكن» المياه فى المحافظات، وتراوحت بين جنيه وأربعة جنيهات، فى ظل أزمة «عطش» طاحنة ضربت عددا كبيرا من القرى والمدن بسبب انقطاع المياه لفترات طويلة، وهو ما يتزامن مع حالة من الغضب بلغت حد التهديد بقطع الطريق الزراعى فى القليوبية، والطريق السريع فى المنيا.

كما قاموا بقطع الطريق احتجاجاً على عدم توافر مياه الري في كفر الشيخ 5/2010 : تظاهر عدد كبير من أهالي القرى التابعة لمراكز الحامول والرياض التابعة لمحافظة كفر الشيخ، حيث قاموا بقطع الطريق الدولي الساحلي الواصل من كفر الشيخ إلى بلطيم. ويأتي قطع الاهالي للطريق احتجاجا على عدم وصول مياه الري إلى أراضيهم منذ فترة كبيرةوانحصارها عن مساحات كبيرة مما يهدد بتلفها. ورفض الأهالى مرور السيارات وطالبوا بحضور المسئولين عن قطاع الري بالمحافظة لحل مشكلتهم.

وفيكفر الشيخ أيضاً في 7/2010: شهدت قرية الترزى التابعة لمجلس قروى الجرايدة التابعة لمركز بيلا وقفة احتجاجية ل100من فلاحى القرية على طريق الحامول بلقاس الذى يربط بين كفرالشيخ والدقهلية حيث تسبب مهندس رى مخلفة غرب الجرايده وليد محمد ورى الدقهلية من خروج أهالى قرية لقطع طريق الحامول بلقاس بسبب نقص فى مياه الرى منذ 10أيام

أو احتجاجاً على تزوير انتخابي كما في أبوتيج في أسيوط 11/2010: قطع أنصار مرشحين مستقلين بأبو تيج الطريق الزراعي أمام مدخل المدينة بسبب تسويد البطاقات الانتخابية في بعض اللجان بقرى الزرابي وباقور وبني وبني خنيئة على حد قولهم. وكان اللواء احمد جمال الدين مدير امن أسيوط قد تلقى إخطاراً من غرفة عمليات المديرية يفيد قيام عدد من أنصار المرشحين المستقلين بأبوتيج بقطع الطريق الزراعي واستيقاف السيارات المارة بالطريق بالإضافة إلى رشقها بالحجارة وعرقلة حركة المرور .. وعلى الفور قامت قوات الأمن المركزي ومكافحة الشغب بتفريق المتجمهرين وتسيير حركة المرور والقبض على بعض المتجمهرين تحرر محضر بالواقعة وجاري العرض على النيابة

ونقلاً عن تقرير مفصل لاخوان أونلاين بعنوان "الاحتجاجات بقطع الطرق.. انفجار الصامتين" في 8/2010 :
"

وخرج عمال شركة سالمكو بالعاشر من رمضان على طريق القاهرة الإسماعيلية ومعهم أسرهم؛ احتجاجًا على عدم صرف رواتبهم منذ فبراير الماضي؛، بالإضافة إلى قطع عشرات العاملين بشركة المعدات التليفونية "كويك تل" في وقت سابق، طريق الكورنيش بمنطقة المعصرة بمحافظة حلوان؛ احتجاجًا على ممارسات مسئولي وزارة القوى العاملة والاتحاد العام لنقابات عمال مصر حيال حل مشاكلهم المالية.

كما قام في نفس اليوم أكثر من 50 شخصًا من أهالي سيدتين لقيتا مصرعهما، بعد أن صدمتهما طبيبة على طريق الكورنيش في المعادي.

وكانت أولى عمليات قطع الطريق حدثت عندما تظاهر نحو ١٥٠٠ من أهالي قرية برج البرلس في منتصف عام 2008م، وقطعوا الطريق الساحلي الدولي؛ احتجاجًا على قرار المحافظة بمنع توزيع الدقيق المدعم على البطاقة التموينية.

وامتدت هذه الظاهرة لتشمل الاحتجاجات على الممارسات السياسية؛ حيث قام عشرات المواطنين بمدينتي طما وطهطا بسوهاج بقطع طريق القاهرة - أسوان الزراعي، ما بين قريتي الخذندرية وشطورة؛ احتجاجًا على ما أسموه بالممارسات الأمنية ضد مرشحهم لمجلس الشورى لإجباره على التنازل عن الترشح.

وفي منشأة ناصر قام الأهالي بقطع الطريق عند مدخل المقطم، وأشعلوا النيران في إطارات الكاوتش، وقُطع الطريق لمدة 5 ساعات كاملة، بعد أن وقعت اشتباكات بين الأهالي والأمن بالأعيرة النارية والرشق بالحجارة؛ بسبب اعتراضهم على قرار نقل الخنازير إلى المجزر الآلي؛ لذبحها، والتي أدَّت إلى إصابة 25 شخصًا من بينهم 4 من ضباط الشرطة.

وعلى نفس الصعيد قطع أهالي قريتي "جزيرة محمد و"طناش" على الطريق الدائري في المسافة بين مخرجي الوراق والقومية العربية؛ احتجاجًا على قرار الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء بضم جزء من "جزيرة محمد" و"طناش" لـ 6 أكتوبر بدلاً من الجيزة، وقام الأهالي عقب الخروج من صلاة الجمعة بالجلوس على الطريق الدائري حاملين الفئوس، ومنعوا السيارات من المرور.

فيما لجأ أعداد غفيرة من البدو المسلحين إلى قطع طريق (العريش- العوجة) والطرق المؤدية إلى معبر العوجة بوسط سيناء لمدة 3 ساعات؛ احتجاجًا على الحملات الأمنية لضبط الهاربين والمطلوبين ببعض القرى بمركز الحسنة بوسط سيناء.

ودفعت أزمة الأحوال السيئة التي عانى منها المتضررون من السيول في جنوب سيناء، إلى قطع نحو ٥٠٠ من بدو رأس سدر الطريق الدولي (رأس سدر- شرم الشيخ)؛ احتجاجًا على نقص المساعدات والمعونات التي كانت تأتي من المحافظة إليهم.""


انظر أيضاً تقرير جريدة الدستور في 5/2010 بعنوان "حوادث قطع الطرق أسرع وسيلة تلفت انتباه الحكومة للاحتجاج".


اليوم بينما تراجعت قدرة الدولة على استخدام العصي والغاز، فإنها تواجه أقاليم لا زالت غاضبة من ظروفها الحياتية كما كانت قبل 25 يناير، ولا زالت مهمشة وتعاني من غياب التمثيل السياسي . سيستمر "هتاف الصامتين" حتى يصبح لهم صوت.

الاثنين، يونيو ١٤، ٢٠١٠

A Series of Unfortunate Events



حسب روايات الأمن والمدافعين عنه: فإن خالد محمد سعيد ابتلع "ورقة مفضضة بداخلها كيس من البلاستيك يحوى نباتاً جافاً يشبه البانجو"، فاختنق. "ولما حاول رجال الشرطة إسعافه هرب منهم وهو شبه فاقد الوعي فصدمته سيارة مسرعة"، فأعاده رجال الشرطة إلى مكان ضبطه حتى لا تقع عليهم مسؤولية . ثم تم طلب الإسعاف، ولكن خالد "سقط من على تروللي عربة الإسعاف ". لينتهي به الأمر على طاولة التشريح، حيث تعرض للتشوه .

الأحد، نوفمبر ١٥، ٢٠٠٩

المباراة


في تصفيات كأس العالم 2024 ، وقبل مباراة فاصلة مع الجزائر، سيجلس ابني بجواري. سأكون حريصاً على ألا أتفوه بألفاظ بذيئة خلال المباراة كما اعتدت. وسأواجه صعوبة بالغة في ألا أظهر انفعالات زائدة عن الحد أمام الطفل كما توصيني زوجتي. لأن الاطفال يتعلمون بالتقليد كما تصر هي. لكن الصعوبة الأكبر ستكون في أن أشرح له من هو الشخص الذي تركز عليه الكاميرا في مباراة العام 2010، والتي يعرضون مقتطفات منها قبل المباراة. سألاقي صعوبة هائلة وأنا أوازن الخيارات: هل أشرح له من هو ذو الوجه المتبلد المخيف الذي تركز الكاميرا على سحنته بعد الأهداف، وأعرضه لحكاية شنيعة - خاصة عند الحديث عن مشاهد النهاية! يا إلهي! كل هذه الدماء!- ؟أم أجنبه هذا الخدش لبراءته؟ "ده واحد كده، مش مهم خالص، ابن حد كان مهم وقتها، الله يرحمه بقى"

الثلاثاء، يناير ٢٧، ٢٠٠٩

فيصل .... تحرير: أيام الديسك والميكروباص


فيصل .... تحرير: أيام الديسك والميكروباص – حمدي عبد الرحيم – مكتبة مدبولي

يضم الكتاب يوميات المؤلف في النصف الأول من عام 2007، إذ يحكي عن عمله في ديسك ثلاث جرائد ( نهضة مصر، العالم اليوم، الكرامة) وذهابه وعودته من عمله مستقلاً ميكروباص خط فيصل تحرير. يبدأ الكتاب بتقديم، ثم تأريخ لصعود – دون هبوط- الميكروباص : عندما رفعت الحكومة يدها عن قطاع النقل ، تاركة خدمات النقل تنهار ليملأ القطاع الخاص -ممثلاً في الميكروباص - الفراغ الناتج . منذ ذلك اليوم الذي وقف فيه ميكروباص وحيد في ميدان التحرير ، يجمع في خجل – تلاشى سريعاً- الركاب، انتهاء بقضائه النهائي على المنافسين. يقدم المؤلف بعدها قائمة بالمصطلحات التي سيستخدمها لاحقاً في الكتاب، إذ يقدم قوائم بأنواع السائقين والركاب والديسكاوية. وهي مصطلحات ساخرة ، لكنها مضبوطة يكفي ذكرها لاحقًا لترى أمامك الشخص المذكور متجسدًا بكل صفاته. فمن السائق السني – بشرائط أبو إسحق واللحية والجلباب الأبيض- إلى المتطرف – الذي لا ترغب أبداً في الدخول في مشاجرة معه- إلى الدجاجي – وهو ليس جباناً كما قد يتبادر إلى الذهن، بل كالدجاج يجلب الخراء بقدميه- مروراً بالمعاشي والروش....إلخ، والركاب إما ذاهلون أو عاديون أو ثقلاء...إلخ.

يشرع المؤلف بعدها في قص يومياته الموزعة بين الديسك والميكروباص. الديسك " هو المطبخ الصحفي حيث يجري إعداد المواد الصحفية للنشر". يكشف المؤلف عن خبايا هذا المطبخ الصحفي، الذي أصبح العمل فيه يتجاوز إصلاح خطأ إملائي أو نحوي هنا وهناك، أو إعداد مقدمة موضوع، ليصل – في أحيان كثيرة- لإعادة بناء لركاكة ورثاثة مذهلة، بل وحتى فك رموز ما يكشف عن عجز الكاتب عن التعبير المنطقي عن الأفكار وما قد يقارب حدود الثغاء أو سلطة الكلمات. نقرأ عمن يعتقد أن العزوف معناه العزم، وأن بعض تعني بعد، ومن يتحدث عن شروط الالتحاق ب"السيرك" الدبلوماسي، ومن كتبت " كان المتهم يبكي فقال له الضابط هذا وتعود وقائع الجريمة إلى وكان فريق من الأمن بقيادة اللواء قد حاصر المتهم"....إلخ.

أما يوميات الميكروباص، فهي الجزء الأكثر جذباً والأكثر مسخرة! ستتذكر ربما تاكسي الخميسي ، حيث الكتاب محاولة – بورجوازية من كرسي الراكب، لكنها حقيقية - لفهم ذلك الكائن – سائق التاكسي- والاستماع إليه وتقديم حكايات عديدة عنه ، وبلسانه، في كتاب سهل وجذاب. أما كتاب عبد الرحيم ، فهو وصف لمن عايشهم المؤلف من ركاب وسائقين من فيصل إلى التحرير وبالعكس. فردية وسيلة مواصلات كالتاكسي، يقابلها الميكروباص كفضاء اجتماعي يتقاسمه مجموعة من البشر لفترة من الوقت. نرى في اليوميات أمثلة على الصراع على المجال العام، واختراق المجال الخاص، وتنوع القيم الحاكمة والمرجعيات التي يلجأ إليها الأشخاص لفض الخلاف أو لحسمه، والاختلافات في طرق التعامل والطباع بين الأشخاص – وفي أحيان أخرى بين الطبقات أو الأجيال- . نرى طيبة وبلطجة، وقاحة وتهذيباً، تضامنًا وسفالة.

يقدم الكتاب صورة لمصر من الميكروباص في 2007، مستخدمًا حكايات جذابة ومسلية ومضحكة أحياناً، وباعثة على التأمل أحياناً أخرى، يعجز أي أسلوب أدبي غير اليوميات عن تقديمها. وهكذا نقابل مشاجرات الركاب مع السائق الأرعن، أو حل الركاب لمشاكل زوجين متخاصمين، أو مشاركتهم في عزاء أو تطييب خاطر. نقابل وصلات السباب بين السائق والتباع، وصلات الرقص والغناء الخارج ، والكلام الفضائحي عن أدق التفاصيل الشخصية. نستمع إلى مناقشات سياسية ، وأخرى عن الكرة، وغيرها تبحث عن حل لمشكلة مصر. نتلصص أحيانًا على حوار شخصي.، وأحياناً نرسم صورة عن حياة راكب ، مكملين القدر القليل الذي وصلنا منها بينما يتحدث في هاتفه المحمول. نقابل من يتحدث بحكمة وليدة السنين، ومن رأسه في خواء الربع الخالي.

يقول المؤلف أن الجامع بين اختياره للديسك والميكروباص ليجعلهما محور يومياته هو العشوائية التي طبعتهما بطبعها، لكنني أرى أن الجامع الرئيسي بينهما هو أنهما يشغلان الجزء الأكبر من حياة المؤلف نفسه ، حياة مصري يناضل ليعيش في مصر 2007. يمضي المؤلف معظم ساعات يومه في عمل مرهق لا يحتمل – ككثير من المصريين- مع الديسك ومساخره و "مجعزاته" ، أو معذبًا بقراءة أخبار وتحقيقات مروعة عن مصر والفساد والتلوث والديكتاتورية – تدور الأحداث في مطلع 2007 ، حيث تم تعديل الدستور ليصبح في إمكان السلطات التعامل مع أي مواطن كإرهابي بلا حقوق- والبحث عن أمل حيث لا نقطة نور تبدو في الأفق، أو – ككثير من المصريين أيضًا- معذبًا في رحلة الذهاب إلى ذلك العمل والعودة منه. لكنه يتعزى بقراءة كتاب، أو بلقاء صديق، أو بانتقام صغير يدبره لمسؤول حكومي منافق، أوبموقف يثبت له أن "الدنيا لسه بخير"، أوبابتسامة طفل نائم في حضن والده.

وبالمثل، كان كتاب حمدي أحد عوامل التعزية.....على الأقل بالنسبة لي.

الخميس، يناير ٢٢، ٢٠٠٩

الاختيار


جهاد عودةعبد المنعم سعيد
مجدي حسين


" حالة ثنائية مطلقة بين أصوليين وقوميين من جهة، ونيوليبراليين من جهة أخرى. لدينا موقفان مسنقطبان: موقف مبدئي متمسك بثوابت قومية ووطنية ودينية للعمل السياسي، لكنه إما غيبي أو ملتجئ إلى ثوابت فوق تاريخية لحماية الموقف ووقف التدهور، وموقف غير مبدئي قياسًا بمبادئ العدالة والإنصاف في القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية، ولكنه يطرح نفسه بشكل عقلاني."

عزمي بشارة - في المسألة العربية؛ مقدمة لبيان ديمقراطي عربي

الجمعة، سبتمبر ٢٦، ٢٠٠٨

نص (نوعاً ما)

في مواجهة سؤال عدائي عن سبب اختياره لها بالذات
هز كتفيه وقال ما اعتبره إجابة واضحة: لأنها هي!

قوبل رده بالاستغراب والدهشة
-ممتزجين بالسخرية-
فاضطر للإيضاح
باذلاً مجهوداً ضخمًا
- ومستخدماً يديه كوسيلة شرح مساعدة-
لأنها
-قال-
هي!

لأنها عندما تحضر تنصرف فجأة كل الشياطين والعفاريت وأغلب كائنات عالم الهو السفلي -والأنا العليا أحياناً!-
ويحل الصمت على العالم.

ويحس بأنه يمكنه أن ينام بعينين مغمضتين، لأنها حتماً ستسهر لتحرسه.


ولأنها عندما حضرت
عاد- بعد طول غياب-
المذاق للطعام
والفتنة للعطور
والحنين للأغاني
والبهجة لعيون الاطفال
والغرور للقطط.

عادت الألوان للعالم، وأصبحت الأماكن أماكن.
وأمام العيون المغمضة ظهرت -أخيراً- الأحلام.
ولم تعد الدنيا أرضاً معادية.


توقف للحظة - ليرى وقع كلامه عليهم-
ثم أردف:

لأنه يحس أنها شريكته في ...
صمت باحثاً عن التعبير المناسب.
استبعد ألعاباً زوجية كالتنس الأرضي وتنس الطاولة
- وهو يتخيل نفسه يلهث بلياقة منعدمة-
وكاد أن يقول شريكة في جريمة قتل!
تقارب الرأسين، تبادل التفاصيل الصغيرة، السر الذي لا يعلمه أحد، ومصير مشترك.
لكن تحفزهم ، جعله يقول ببساطة:
شريكته في رحلة اسمها الحياة.

ثم قال ببطء:
ولأنني الآن عندما أفكر في الموت
-ولأول مرة!-
أصبح عندي سبب للحياة، أفاوض به رسل الميلانكوليا المعتادين.

باخت حماسته ، ولم يحب كل ذلك البوح بدخيلته
فأنهى كلامه بغمغمة - حاول أن يخفي الخجل بها-
قال أنه... اختصاراً يعني... يحبها...
وبطبعه المعهود، أعقب ذلك الإعلان بقوله.... نوعاً ما

السبت، سبتمبر ٢٠، ٢٠٠٨

تواصل

عندما عاد أخيرًا لذلك البيت ، اكتشف أن الهاتف مفصول من القابس، وأن الصوت لم يكن يتردد في أي أرجاء، وأنه كان في الواقع يتواصل مع جهاز الكتروني ما في سنترال...

الجمعة، أغسطس ٠٨، ٢٠٠٨

حنين


يمسك بالموبايل، ويطلب رقم البيت البعيد. يستمع إلى الجرس الرتيب. يغمض عينيه ويتخيل الهاتف يرن في البيت المظلم المهجور. يتخيل الصوت ينتشر في أرجاء البيت التي حفظها وأحبها. يرى ويسمع ويشم للحظات. يغلق الموبايل ويواصل العمل.

الجمعة، يوليو ٠٤، ٢٠٠٨

عبد الوهاب المسيري

ينهي عبد الوهاب المسيري كتابه "رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمار" بقصة فنان مدينة كورو التي يهديها لجمال حمدان و" لكل فنان أو مفكر يتفاني في عمله ويُستوعب فيه حتى ينسى تمامًا الزمان والمكان والطبيعة/المادة، ليبدع عملاً فنياً جميلاً. خامته مستقاة من الطبيعة ، ولكنه في تناسقه وتركيبيته وجماله يقف شاهدًا على قوة النفس البشرية ومقدرتها على التجاوز، والقصة من كتاب ديفيد ثورو وولدن"، ولا يمكنني الآن إلا أن أهدي نفس القصة إليه:


كان هناك فنان يعيش في مدينة كورو ، دائب المحاولة للوصول إلى الكمال. وذات مرة تراءى له ان يصنع عصا. وقد توصل هذا الفنان إلى أن الزمان عنصر مكون للعمل الفني الذي لم يصل بعد إلى الكمال ، أما العمل الكامل فلا يدخله الزمان أبداً.فقال لنفسه: سيكون عملي كاملاً من جميع النواحي، حتى لو استلزم الأمر ألا أفعل شيئًا آخر في حياتي.

فذهب في التو إلى غابة باحثاً عن قطعة من الخشب ، لأن عمله الفني لا يمكن أن يصنع من مادة غير ملائمة. وبينما كان يبحث عن قطعة من الخشب ، ويستبعد العصاة تلو الأخرى، بدأ أصدقاؤه تدريجيًا فيا لتخلي عنه ، إذ نال منهم الهَرَم وقضَوا. أما هو، فلم يتقدم به العمر لحظة واحدة، فوفاؤه لغايته وإصراره وتقواه السامية أضفت عليه ، دون علمه، شبابًا أزليًا. ولأنه لم يهادن الزمن ، ابتعد الزمان عن طريقه ، ولم يسعه إلا أن يُطلق الزفرات عن بعد، لأنه لم يمكنه التغلب عليه. وقبل أن يجد الفنان العصا المناسبة من جميع النواحي ، أضحت مدينة كورو أطلالاً عتيقة، فجلس هو على أحد أكوامها لينزع لحاء العصا. وقبل أن يعطيها الشكل المناسب ، كانت أسرة كاندهار الحاكمة قد بلغت نهايتها ، فكتب اسم آخر أعضائها على الرمل بطرف العصا، ثم استأنف عمله بعد ذلك. ومع انتهائه من تنعيم العصا وصقلها لم يعد النجم كالبًا في الدب القطبي. وقبل أن يضع الحلقة المعدنية ( في طرف العصا لوقايتها) ، وقبل أن يُزَيّن رأسها بالاحجار الثمينة كانت آلاف السنين قد مرت. وكان براهما قد استيقظ وخلد إلى النوم عدة مرات.

وخينما وضع الفنان اللمسة الأخيرة على العصا، اعترته الدهشة حين تمددت العصا بغتة أمام ناظريه لتصبح أجمل المخلوقات طُرًا. لقد صنع نسقًا جديدًا بصنعه هذا العصا ، عالمًا نِسَبُه كاملة وجميلة، وقد زالت في أثناء صنعه مدن وأسَر قديمة، ولكن حلت محلها مدن وأسر أكثر جلالاً. وقد رأى الفنان الآن وقد تكومت عند قدميه أكوام النجارة التي سقطت لتوها راى أن مرور الوقت في السابق بالنسبة له ولعمله كان مجرد وهم، وأنه لم يمر من الوقت إلا القليل.

"كانت مادة عمله نقية صافية، وكان فنه نقيًا صافيًا ، فكيف كان يمكن للنتيجة ألا تكون رائعة؟"

رحم الله المسيري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

الجمعة، يونيو ٢٠، ٢٠٠٨

أصوات

كانت الطفلة تجلس في هدوء. في التاسعة من عمرها، عيناها بنيتان ذكيتان، شعرها أسود معقود بعناية في جديلة ويلمع من أثر زيت شعر ، ترتدي فستاناً بناتياً وردي اللون، وتحمل حقيبة صغيرة بفخر، وفستانها يكشف عن جورب طفولي. كل ما فيها ينبئ عن أم تعتني بها جيدًا. لم تنطق بكلمة واحدة. اكتفت بوضع يدها ، وحقيبتها، على حجرها، وأرجحة ساقيها اللتان لا تصلان إلى الأرض ، كما يؤرجح والدها الجالس بجانبها ساقيه. كان الرجل ذو الوجه المتبلد يحكي حكاية طويلة عن رجال يراقبونه ومخططات لإيذائه، كاميرات مراقبة في منزله، وأجهزة تتبع مزروعة في جسده لا تكف عن التحكم به ، و إصدار الأصوات التي تملأ رأسه، وتمنعه من النوم. توقف للحظة ثم قال أنه يسمع الأصوات في أذنيه في هذه اللحظة بالذات. قربت الطفلة رأسها من رأس والدها ، ووضعت أذنها بجوار أذنه، وهي تضم شفتيها وترفع حواجبها، لتركز وتتمكن من الاستماع بصورة أفضل.

السبت، مايو ٣١، ٢٠٠٨

الخميس، مايو ٠١، ٢٠٠٨

تلك النظرة

على المحور، وفي المنطقة التي ينحصر فيها الاتجاهان في طريق واحد، كانت هناك عربة متوقفة. خلف العربة، وقف شاب لا يتجاوز عمره الخامسة عشر يشير بيده للعربات لتهدئ من سرعتها ولتتجاوز العربة. بمجرد تجاوزك العربة تلمح رجلاً في منتصف العمر جالساً على الأرض منكمشاً بجسده لأقصى حد ليبتعد عن الطريق الضيق ، وهو يعمل بسرعة على فك عجلة العربة. أمام العربة وقفت سيدة تنظر للعربات التي تعبر على بعد سنتيمترات من الرجل. على وجهها ظهر ألم وقلق، ومدت يدها كأنما لتبعد العربات عنه، ثم نظرت له. لمحتُ نظرتها لثانية، قبل أن أتجاوزهم. حنان؟ لهفة؟ خوف؟

قبلها بأيام كانوا يتحدثون عن كتاب رجلٍ في وجوده. وعندما بدؤوا في كيل المديح له، ابتسم في خجل وتمتم بأنه لا يستحق ما يقال. بجواره كانت تجلس زوجته، بمجرد أن بدؤوا في كيل المديح له، أشرق وجهها واتسعت ابتسامتها، رفعت رأسها ونظرت له لثانية، قبل أن تنظر للأرض من جديد. فخر؟ تقدير ؟ ثقة؟

في العمل، وسط زحام من المتكلمين والغادين والرائحين ، وَقَفَت زميلةٌ تنظر بثبات إلى نقطة ما خلف ظهري. أدرت رأسي وأنا أتوقع أن أراه - خطيبها- هناك. بالفعل، كان يقف هناك، يبتسم ويبادلها النظر عبر المكان المزدحم بكل هؤلاء الأشخاص. شيئ ما في نظرتها جعلني متأكداً من وجوده. اطمئنان؟ سعادة؟ تفاهم؟

كانوا يجلسون يستمعون إليها، وكانت تتحدث بحماس وتدفق، عندما دخل المكان وجلس. كان دخوله مفاجئاً، فتاه منها الكلام. حاولت جاهدة أن تكمل ما تقوله، ونجحت في ذلك، لكنها نظرت له نظرة قصيرة - بعينين تلمعان - قبل أن تواصل. فرح؟ شكر؟ عرفان؟

مهما كانت المعاني المختلفة التي تبدو من تلك النظرات التي ألمحها لثوانِ معدودة، إلا أنها ، كلها ، لا يمكن إلا أن أصفها ب "تلك النظرة".

الأحد، أبريل ٢٧، ٢٠٠٨

ثورة 2053 - البداية


رواية - محمود عثمان - الطبعة الاولى ديسمبر 2007 - ب.ن.




تدور أحداث الرواية في المستقبل القريب ( العام 2026) على صورة مذكرات لبطلها المهندس الشاب محمد نصار. تبدو الرواية للوهلة الأولى Dystopia (يوتوبيا معكوسة) مسقبلية تقليدية تتخيل المجتمع المصري بمفرداته الحالية في صورة ممسوخة كابوسية تضخمت فيها العيوب، مع مفردات تقدم تكنولوجي مذهل، لكن الرواية تحمل أكثر من ذلك بكثير، فضلاً عن أن بها من اللحظة الراهنة أكثر بكثير مما بها من المستقبل.




نتعرف على حياة البطل محمد نصار. هو مهندس شاب ناجح ومجتهد صاحب شركة تصمم أنظمة الكترونية متقدمة، ينتمي للطبقة الوسطى العليا، في مجتمع لم يعد به سوى طبقة عليا وأغلبية تحيا في ظروف غير آدمية فيما تصارع الطبقة الوسطى العليا من أجل البقاء واللحاق بالطبقة العليا، وهو حلم المهندس محمد نصار مدمن العمل الذي يصارع لتصبح شركته شركة كبرى. يحيا حياة باردة وحيدة ليس بها سوى العمل، و تنظم حياته الآلات. لا وقت لديه ، ولا اهتمام، بأن يرتبط أو يتزوج، ولا وقت لديه ليرى والديه وشقيقته رغم حبه لهم. معزولاً خلف زجاج سيارته يطالع الملايين المكدسين في وسائل النقل العام المنهارة غير الآدمية والهائمين في شوارع القاهرة الملوثة التي لم يعد صحياً المشي فيها دون فلتر منقٍ للهواء، يضغط على الأوتوبيلوت لتنطلق العربة المتصلة بالأقمار الصناعية إلى هدفها في قاهرة أكثر قبحاً وزحاماً وتلوثاً وفقراً وعزلاً طبقياً مما يمكن تخيله.


يحيا نصار في فقاعة معزولة عن القبح الخارجي، يحارب ليظل قادراً على تحمل ضغوط العمل الدؤوب من أجل الترقي وضغوط الحياة في تلك المدينة. لكن عالمه يتغير ، وحياته تتغير، ومفاهيمه تتغير شيئاً فشيئاً عندما يتعرف صدفة على غريب - اسم على مسمى بالنسبة له- ، وهو مصور فوتوغرافي غامض لا يتعامل مع منجزات العصر التكنولوجية ويبدو غير مبالٍ بالنجاح المادي بالصورة التي يفهمهما نصار. على مدار الرواية تتعقد الأمور لنصار: فرغم اصراره على النجاح المادي، إلا أنه لتربية والديه الصارمة أخلاقياً له، يرفض الفساد في العمل. يُواجه بعرض من النوع الذي لا يمكن رفضه، إما أن يقبله ويحقق القفزة التي يطمح لها، وإما أن يرفض فتنهار شركته. مشكلته كانت أن العرض كان مريباً، مما يجعله في مواجهة أزمة أخلاقية حادة. يزيد غريب من الضغوط عليه: بأسلوب حياته يهز قناعاته عن الحياة المثلى، ينتقد الحياة المخملية المعزولة التي تحياها الطبقة العليا التي يحلم نصار باللحاق بها، يعرفه على العالم خارج فقاعته، يجعله يرى ويسمع للمرة الأولى من كان يطالعهم من خلف زجاج سيارته. عندما يطالع نصار المرآة يطالعه وجه حزين متعب.


يتسارع إيقاع الرواية وتزداد الإثارة، ليصبح من الصعب تركها دون إتمامها في الجزء الأخير. يتعقد الخطان المتوازيان: حياة نصار القديمة وصعوبات استمراها بذات الصورة، والعالم الجديد الذي يكتشفه ويتأثر به. بصورة مؤلمة يصل نصار إلى لحظة الإنارة: الإيمان الحقيقي عندما يخرج من دائرة ذاته، عندما يتخلى عن الفردانية، ويتخفف من وهم المادة، الترقي ، الغنى، الإيمان المطلق بالعقل والتقنية والمنطق البارد.


يعيب الرواية طفوليةٌ في وصف اختراعات المستقبل - بصورة قد تذكر بملف المستقبل- ، وأن الدقة النحوية والجزالة الاسلوبية ليستا أفضل مميزات الرواية ، وبعض اللجوء إلى الكليشيهات، وطول الحوارات بصورة قد تبعث على الملل، إلا أن محتوى الحوارات الهام يعوض عن ذلك.


في حفل توقيع الرواية بالكتب خان، تحدث المؤلف عن ردود الأفعال التي أثارتها الرواية، وعمن راسلوه قائلين له أنهم يفكرون بنفس الطريقة، وأنهم يشعرون بالقلق ذاته في ذات اللحظة الراهنة الفارقة. مست الرواية وتراً لدى من شعروا بأن حياتهم مقاربة لحياة البطل وينتمون لنفس طبقته الوسطى العليا. هم مهنيون أو رجال أعمال ناجحون يحيون حياة لا بأس بها أبداً، لكنهم يشعرون بخوف كبير من الغد. يحسون أن الحياة التي يحيونها لن تستمر بذات الطريقة، والمستقبل لا يحمل سوى احتمالات مرعبة. "الحل الفردي" الذي اختاروه لم يعد ممكناً، فالفساد يجبرك على أن تخضع له ليشوه حلك الفردي مهما حاولت الانعزال، فضلاً عن أن المستقبل يحمل نذر زلزال لا يترك أحداً. تحدث المؤلف عن هجرة كثيرين يعرفهم رغم ظروف حياتهم الرغدة، لكنهم هاجروا لأنهم يشعرون بأن الحياة القديمة لن تستمر، وأن البلد تقف على شفا حفرة. المعارضة الحالية غير مقنعة، الانعزال والحلول الفردية لم تعد نافعة في مركب يغرق، الهجرة ليست أفضل الحلول. يحاول عثمان أن يقدم تصوره لما يمكن أن يكون عليه الحل في روايته التي يهديها إلى: " كل مواطن يؤمن بأن التغيير لا يزال ممكناً".



تعرض الرواية لحياة ومخاوف وتطلعات الطبقة الوسطى العليا حالياً- وإن اختار المؤلف المستقبل ساحة لروايته- لكنها ليست رواية طبقية بالمعنى السلبي. في حوارات مطولة يهاجم المؤلف ويحطم الحجج والأساطير والمحفوظات المسكنة والمريحة للأعصاب والضمائر المنتشرة في طبقة البطل - وطبقات أخرى-. ينتقد تأليه العمل والنجاح المادي، استغلال العمالة والحديث عن فتح البيوت، تحليل الرشوة...الخ، يحلل ويشرح ويعلن رفضه. يدافع بقوة عن الديموقراطية وعن حق المصريين في حياة كريمة ، بكرامة، مهاجماً الاحتجاجات النيوليبرالية والعنصرية الثقافية.



عندما بدأ المؤلف في الحديث عن تجربته مع الكتابة اتضح لي البعد الشخصي القوي في الرواية. حكى المؤلف عن إدمان للقراءة منذ الطفولة، عن غرام بالأدب، وحلم بالكتابة، وإن كان لا يعرف ماذا يكتب. حكى عن عمله مهندساً وعن المشاريع المختلفة التي عمل بها، وعن حرصه المستمر على أن يحاول أن يكون إلى جانب توجه عمله للربح، جانب لمساعدة الفقراء أو للصالح العام. حكى عن أنه في أغلب الأوقات فشل في تحقيق تلك المعادلة، وعن أنه باستمرار عمله بالهندسة اكتشف أن هناك مشكلة ما أساسية تمنع وتُفشِل باستمرار تلك المحاولات الصغيرة. حكى عن انشغاله بالعمل عن الكتابة ، وأنه كتب نسخة مصغرة من هذه الرواية في أوائل التسعينات ليكتشف أن الكثير مما توقع حدوثه بسوداوية قد تحقق بالفعل مما دفعه إلى التساؤل عن جدوى الكتابة. في فترة انتقالية بين وظيفتين تحقق له أخيراً فائض من الوقت، فجلس وكتب قصصاً قصيرة، كانت إحداها تنويعاً على هذه الرواية، مما دفعه إلى العودة إلى الاوراق القديمة وكتابة النسخة الحالية من الرواية. من سماعي هذه التجربة أدركت أن الرواية جاءت حكياً موازياً لتجربته الحياتية ولقناعاته التي تكونت ، ولبحثه عن المعنى وعن الصواب، رسالة للناس، وفي الوقت ذاته هي ذاتها الإجابة عن سؤال لماذا أكتب، بحثاً وجودياً مهموماً بالأخلاقية.



عندما انتهيت من قراءة الرواية، شاهدت في اليوم ذاته فيلم جنينة الأسماك. جعلني العملان أدرك أنني لست وحيداً في شعوري بالخوف، وفي أن هناك شيئاً ما سينهار وسيأتي شيئ ما بشع فوق ما نتصور، ونحن لا نملك سوى انتظاره في عجز. يحاول محمود عثمان في الجزء الأول من روايته ذات الجزئين، أن يقول أن هناك شيئاً ما يمكن عمله، رغم كل هذا الخوف.

الجمعة، أبريل ٢٥، ٢٠٠٨

سؤال عن الكلابشات...




بعد نشر جريدة البديل صوراً لمصابين في أحداث المحلة قيدهم الأمن إلى أسرة المستشفيات، ثارت ضجة كبيرة، وقدمت نقابة الاطباء المصرية بلاغاً للنائب العام يتضمن معلومات عن الأضرار الصحية المصاحبة لمثل هذا التقييد والتي قد تؤدي للوفاة. واتهمت منظمات حقوقية وزارة الداخلية والصحة بمخالفة الدستور، وأمر النائب العام بالتحقيق في الواقعة.

كنت متعجباً جداً، لا من قسوة الأمن ووحشيته في تعامله مع مصابي المحلة بالذات، ولكن من تعجب الكل في التعامل مع هذا الخبر. أتذكر أنني في فترات التدريب الاكلينيكي أثناء دراستي بكلية الطب، حيث كنا نتدرب في عنابر المستشفى الجامعي (الميري)، شاهدت عدة مرات مرضىً مقيدين في أسرتهم. عندما سألت من هم أكبر مني، أفهموني أنهم مسجونون يعالجون في المستشفى. لذلك ترسخ في ذهني أنها معلومة يعرفها كل الأطباء. لم أر ذلك المنظر منذ تخرجي من الكلية، ربما لأنني لم أتعامل مع المستشفى الميري من ساعتها. لم أتعجب من تعامل الصحافة أو المنظمات الحقوقية مع الخبر، ولكن من تعامل النقابة معه. حيث بدا لي أنها تتعمد تلبيس القضية بعداً سياسياً عن عمد وحصره بأحداث المحلة ، أو أنها لا تعرف وهو ما أستبعده.

يختلف أسلوب الاحتجاج على ما حدث، إذا ما كان قد حدث حادثة معزولة لقسوة مفرطة من الشرطة في امتداد لتعامل قاس ٍ مع مدينة غاضبة، أو كان سياسة عامة لم تنل الاهتمام إلا عندما احتكت بالسياسة.

زيادة في التأكد (إذ ربما كانت الحالات التي شاهدتها منذ سنوات عندما كنت طالبا في الكلية حالات معزولة) أوجه سؤالاً إلى الزملاء من طلبة و خريجي كليات الطب المصرية: هل شاهدتم هذا الإجراء من قبل؟ وإن كنتم قد شاهدتموه ، فكم مرة؟ وهل كان الإجراء يتم في الظروف الاستثنائية فقط - متهمون سياسيون مثلا- أم لمتهمين جنائيين تقليديين؟

الصورة من مصطفى.

الأحد، أبريل ٢٠، ٢٠٠٨

صمت

كانا يجلسان عندما جاء الصمت. جلس هو، وجلست هي، وبينهما جلس. انكمش في مقعده مائلاً بجسده اقصى اليمين، بينما انكمشت في مقعدها مائلة بجسدها أقصى اليسار. ثَبَّت نظره إلى الامام، وثبتت نظرها إلى الامام. انشغل بالتفكير في أفضل توصيف للصمت الجالس بينهما. بتركيز كبير، استعرض أوصافاً كالسحابة السوداء التي تغطي القاهرة، ضباباً يملأ الأجواء، شبورة على الطريق الزراعي في السادسة صباحاً من يوم بارد، ثقلاً جاثماً على صدر مريض بفشل في القلب، بحراً مظلماً تغوص فيه. لم يصل لتوصيف مناسب، فهز رأسه في أسى. بطرف عينيه شاهدها تتطلع إليه في يأس . أدارت راسها وتطلعت إلى الأمام من جديد بعد أن بادلها الصمت النظرات. تمتم بكلمات غير مسموعة وغادر المكان وهو يهز رأسه فيما حاول أن يكون تحية.

أمسك بالهاتف ، وطلب رقمها، وانتظر حتى قالت له : مساء الخير. رد تحيتها. ثم دخل الصمت على الخط. عجزا عن الكلام. لدقائق ظلا صامتين ممسكين بالهاتف. حاجز؟ حائط؟ جدار؟ سد؟ فكر في الكلمة المناسبة، لكن أياً من التشبيهات لم يرضه. بعد دقائق طويلة من الصمت، تمتم: مع السلامة، ووضع السماعة.


محاطين بأشخاص كثيرين. يضحك ويتكلم ، لكنه يشعر أن شيئاً ما خطأ. يتطلع حوله باحثاً عن الصمت. لا يجده. يغمض عينيه ويتطلع داخله ، ليكتشف أن الصمت قد سكن داخله. يظل صامتا مهما تكلم. يطالعه صديق ويسأله: مالك؟ يتعجب من أن الصمت يكشف نفسه لعيون الآخرين. يهز يده في حركة بلا معنى، ويتمتم بإجابة بلا معنى.

لاحقاً ، سيتكلمان كثيرا، لكن كلا منهما كان يعرف أن الصمت لم يغادر. سيفكر أن الصمت ضيف قد جاء ليبقى. سيستريح أخيرا لهذا التوصيف، وسيتبادل هز الرؤوس مع الضيف الذي أصبح صاحب بيت.

الأربعاء، فبراير ٢٠، ٢٠٠٨

سعد عبود: يرقص كالفراشة ويلدغ كالنحلة.

النائب سعد عبود

في الأخبار قرأت عن حرمان النائب سعد عبود من حضور الجلسات حتي نهاية الدورة البرلمانية الحالية.

لا أعرف الكثير عن النائب سعد عبود. أعرف أنه أحد نائبين في مجلس الشعب عن حزب الكرامة - تحت التأسيس،وسيظل تحت التأسيس إلى الأبد غالباً- وأنه نائب عن دائرة ببا - بني سويف ، ولا شيئ آخر تقريباً.

لكن اسمه علق بذهني منذ ما يقارب العامين... لم أكن أكتب وقتها هنا، ولذلك احتفظت بمفكرة أسجل فيها أفكاري. وهذا ما كتبته بها وقتها:

(( قرأت خبرا في المصري اليوم عن مناقشة الرئيس مبارك لتطوير المنظومة الصحية . لفت نظري في ذات الخبر تبرع مبارك بثمن أربع أجهزة رنين مغناطيسي.

وقال عواد: إن الرئيس مبارك قرر تزويد أربع محافظات بأجهزة «أشعة رنين مغناطيسي» من ماله الخاص في مستشفيات قنا والوادي الجديد وأسوان والعياط وذلك بشكل عاجل عندما ذكر وزير الصحة أن إمكانيات الوزارة توفير وحدة واحدة من هذه الأجهزة.. فقال له الرئيس مبارك: إنه سيتبرع بها من ماله الخاص.

فكرت أن ثمن هذه الأجهزة ملايين وتساؤلت عن من أين له هذا ليمنح الشعب هذا البقشيش السخي؟

تذكرت الدكروري محامي الرئيس أيام الحملة الرئاسية 2005 وإقرار الذمة المالية للرئيس الذي هو من شروط الترشيح ، والذي لم يره أحد، ثم سرحت في تذكر ألعاب نور لتقديم أوراقه أولا للحصول على رمز الهلال، تعيين الدكروري كواحد من عشر أعضاء معينين في مجلس شعب 2005، نور في السجن، عواد المتحدث باسم الرئاسة وتصريحاته عن الاستفتاء. ثم عدت للتفكير:" طب ايه التفسير؟ هيفسروا حاجة زي دي ازاي؟ ايه"التفسير المزيف" اللي يفسروا بيه انه بيطلع من جيبه ملايين ويرميها للشعب وهوا افتراضا موظف حكومي؟"

بعد أسبوعين تقريباً:
كنت قد نسيت الموضوع تقريباً ، لأجد خبرا عن:
"أكد الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب أنه لا يجوز توجيه بيان عاجل لرئيس الجمهورية، لأن ذلك مخالف للدستور، والرئيس غير مسؤول أمام مجلس الشعب، وجاءت تأكيدات سرور رداً علي البيان العاجل الذي تقدم به سعد عبود النائب البرلماني عن حزب الكرامة «تحت التأسيس» حول الذمة المالية للرئيس مبارك، مستنداً إلي ما نشر في بعض الصحف حول تبرع الرئيس لبعض المستشفيات، وأوضح سرور أن الرئيس مبارك يوجه ولا يتبرع من ماله الخاص، وقد ألقي توجيهاته بتدبير أجهزة أشعة مقطعية لأربعة مستشفيات، مؤكدا أن هناك مبالغة حدثت من وسائل الإعلام وأضاف: أردت تحقيق الشفافية لأسجل سابقة برلمانية يحمد عليها رئيس الجمهورية، وأكد عبود ضرورة أن تتحري وسائل الإعلام الدقة، وأنه لم يتوجه بالبيان بصفة شخصه، وتدخل سرور موضحا أن البيان العاجل لم يقدم بالطريق القانوني، وإنما فوجئ به علي المنصة، وأكد أن تقديمه يتم عبر تسليمه لمكتب رئيس المجلس وإبلاغ الوزير المختص لتقديم الرد، وعقب عبود قائلا: إنه تمت مناقشة الذمة المالية للرئيس جمال عبدالناصر في هذا المجلس، وتمت تبرئة ذمته المالية، وأضاف: رئيس الجمهورية يعنينا جميعا لأنه رئيسنا كلنا"



فكرت أن الخبر لفت نظر شخص ما كما لفت نظري، وفكرت:"ملعوبة يا عبود!". ليس لدي أي أوهام عن تأثير هذا. وأدرك أنهم "كفوا عالخبر ماجور" وأن العديد من هذه الملاعبات الذكية التي تكشف وتفضح قد قام بها نواب مصريون شجعان معارضون من الوفد والتجمع والعمل والأحرار والإخوان المسلمين على مدى تاريخ المجلس منذ السبعينات. ولكن هذه الأشياء لا تزال قادرة على بعث السعادة في قلبي، وخاصة الصورة المعبرة:
حمدين مبتسما في ثقة وتفهم ، ويتقرب إليه في قلق زكريا عزمي.

وفي نفس العدد نشر الخبر القديم ولكن بصيغة مناسبة أكثر : تدبير الأجهزة بتوجيه من الرئيس.))

أما الآن، فبدأت الأزمة التي انتهت بتجميد عضويته، باستجواب من عبود وجهه إلى رئيس مجلس الوزراء متهماً وزارة الداخلية المشرفة على بعثة الحج الرسمية باختلاس 115 مليون جنيه مصري من أموال الحجاج المصريين. قال في استجوابه أن" ضباط وزارة الداخلية المشرفين على الرحلة تربحوا من أموال الحجيج من وراء إشرافهم على حجاج القرعة المصريين في موسم الحج الماضي، قائلا إنهم أنفقوا أقل مما حصلوا عليه منهم بواقع 115 مليون جنيه، وأشار إلى عملية الإهمال الشديدة التي تعرض لها الحجاج من حيث الإقامة في أماكن بعيدة عن المشاعر، وتكبدهم أموالا للحصول على خدمات كان يتعين على بعثة الحج توفيرها لهم."
هبت العاصفة بعدها. رد مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية علي الاستجواب، ووصف اتهامات عبود لبعثة الحج بأنه كلام مرسل، وحذره من أن عليه أن يتحمل نتائجه. و تقدم بعدها حوالي 160 نائبًا من الحزب الوطني بطلب بمعاقبة النائب سعد عبود وحرمانه من حضور جلسات مجلس الشعب المتبقية من الدورة الحالية 2007/2008، طبقا للمادة 377 من اللائحة. واعتبر نواب الحزب الوطني أن سعد عبود خالف واجبات عضويته وحنث باليمين لأنه ـ حسب قولهم ـ وجه اتهامات كاذبة بجلسة 27 ديسمبر الماضي، حيث رمي ضباط وزارة الداخلية باتهامات ذكر فيها أنهم تربحوا وأخذوا رشوة وتواطأوا مع عدد من المسئولين في المملكة العربية السعودية، وحصلوا علي مبالغ مالية دون وجه حق، وقالوا إن ذلك لا يتفق مع السلوك البرلماني القويم، وحيث إن لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب طلبت منه مستندات علي اتهاماته ولم يقدمها، مما يؤكد إخلاله بواجبات عضويته، لذلك اقترح نواب الحزب الوطني طبقا للمادة 377 من اللائحة حرمان سعد عبود من حضور جلسات المجلس حتي نهاية دور الانعقاد الحالي في 2008.عم الغضب بعدها المجلس، ووقعت اشتباكات بالأيدي بين نائب من الحزب الوطني وآخر من الإخوان، وانسحب نواب الإخوان و١٠٦ نواب من جلسة مجلس الشعب، مرددين هتافات «باطل.. باطل»، فيما قدم نائب الوطني صابر عشماوي استقالته من الحزب الوطني احتجاجا علي ما جرى، و تدخل النواب لفض الاشتباك، وهدد سرور أي نائب يقترب من المنصة بإسقاط عضويته قائلاً:«اللي حيقرب مني جزاؤه سوف يكون إسقاط العضوية».
أعتقد أن هذا الغضب العارم مرده أن حج القرعة موضوع هام، فاختلاس أموال الحجاج سيراه معظم الناس ك"أكل مال النبي" ، فضلاً عن أن ملايين المصريين فعلاً سيهتمون بالموضوع، لأن قلة فقط من الأسر لم يسافر أحد افرادها أو معارفها أو يخطط أن يسافر أو يحلم أن يسافر إلى الحج، ويندر أن يجرب أحد حج القرعة المصري دون أن يرجع يحكايات فولكلورية طويلة عن البهدلة التي لقاها، والآن سيكون هناك من تشير بإصبعك نحوه لتفسير هذه البهدلة.
هذه التدوينة لتحية سعد عبود ، ولأنه ذكرني بالنائب عادل عيد رحمه الله. اقرؤوا له الفاتحة.
* اقرأ: حوار مع سعد عبود بعد تجميد عضويته، و فتحي سرور في تصريحات لاحقة.

السبت، فبراير ١٦، ٢٠٠٨

الاثنين، فبراير ٠٤، ٢٠٠٨

يوتوبيا

يوتوبيا - أحمد خالد توفيق - رواية - ميريت


لا أعتقد أن أحمد خالد توفيق في حاجة إلى تقديم ، فرواياته من إصدرارت روايات مصرية للجيب قرأها الملايين. كانت رواياته جزءً من ثقافة جيل كامل تكفي الإشارة إلى أحد مفرداتها ليتم التفاهم ( أتذكر ليلة طويلة على رصيف شارع عبد الخالق ثروت، في الثالثة فجراً كان الرصيف بارداً جداً وصلباً جداً ومرهقاً جداً، قلت ذلك لمن يجلس بجواري، فابتسم وقال لي أنها ساعة الذئب. ابتسمت له ، بينما تساءل ثالث تجاوز عمره الثلاثين عن معنى ذلك، فقلنا له أنها مصطلحات جيل أصغر). كانت رواياته هي أول مكان قرأت فيه أسماءً مثل كونديرا وكامو وصنع الله إبراهيم وماركيز...الخ. كنت مقتنعاً أنه قادر على أن يكتب أكثر ، وتعزز رأيي بقراءتي لمقالاته المتميزة المنشورة في الدستور أسبوعياً. لذلك كنت سعيداً بصدور أولى رواياته: يوتوبيا.





تدور أحداث الرواية في المستقبل القريب، حيث ينعزل الأغنياء في مجتمع مسور في الساحل الشمالي اسمه يوتوبيا يحميه المارينز، بينما "الأغيار" يمورون خارجه. لا يهتم المؤلف بالإشارة إلى أسماء قد تشير إلى شخصيات ومجتمعات حالية، وتحمل أولى الصفحات اعتبار أي تشابه مماثل محض مصادفة غير مقصودة، على الرغم من أنه يؤكد إيمانه " يقيناً أن هذا المكان سيكون موجوداً عما قريب".



يقدم المؤلف صورة كابوسية للمستقبل: فسكان يوتوبيا انحطوا إلى ما يشبه الحيوانات الشهوانية. لا تاريخ ولا هوية ولا أخلاق ( باستثناء أخلاق رأسمالية بالحفاظ على الملكية الفردية لبعضهم). يحيون محاولين استخلاص كل لذة ممكنة من الحياة من الطعام والجنس والمخدرات، معانين من الملل الذي يتغلبون عليه بالتسلي باصطياد الأغيار.


أما الأغيار فيحيون في أطلال مدن مصر القديمة. كل شيئ انهار: لا ماء ولا كهرباء ولا صرف صحي. عالم بلا قانون ولا دولة، عصابات مخدرة بمخدرات رديئة تتصارع كالضباع للبقاء على قيد الحياة. سوقية وجنس ووحشية وجريمة. لا تاريخ ولا هوية ولا أخلاق ولا دين فكل هذا يعد ترفاً.

ذكرني هذا بآلة الزمن وثنائية الإيلوي الخانعين الضعفاء فوق الأرض، والمورلوك المتوحشين العاملين تحت الارض. لكن كلاً من الروايتين ابنة عصرها، فرواية ويلز تفكر في مستقبل البشرية في المستقبل البعيد متأثرة بأفكار النشوء والارتقاء والأفكار الاشتراكية ( كان ويلز اشتراكيا فابياً). بينما تفكر يوتوبيا في مستقبل مصر القريب. يمد المؤلف الخط إلى آخره وصولاً إلى القبح المطلق. نجد مظاهر نعرفها وقد توحشت وشملت كل شيئ. المفردات المصرية المألوفة لنا: (الشوارع الغارقة في الصرف الصحي، مجرمو المناطق العشوائية، مدمنو الكلة، الطعام الرديء المغشوش، انهيار الطبقة الوسطى، الشباب متعاطو المخدرات، المجتمعات المسورة - اقرأ عنها دراسة إيريك دينيس في كتاب القاهرة الكوزموبوليتانية- ، الأثرياء المحتكرون المتعاملون مع إسرائيل...الخ ) تتضخم بصورة كابوسية وتبتلع كل شيئ آخر. يتحول الكل - فقراء وأثرياء- إلى كتل من البروتين الحيواني الذي تحركه الغرائز في عالم بلا رحمة.

يروي المؤلف الرواية على لسان بطلين ، أحدهما من سكان يوتوبيا والآخر من الأغيار. تتعاقب فصول الكتاب ليكون كل منهما الراوي الشخص الأول في أحدها. وضع المؤلف كلاً منهما في مقابلة الآخر. كلاهما يقرأ في عالم لا يقرأ، ويعرف أكثر من المحيطين به، قبل أن يدفعهما للقاء بعضهما. بطل الأغيار هو ابن الطبقة الوسطى القديمة الذي لا زال يحتفظ بنقطة مضيئة وسط صدره رغم كل القبح الذي يحيا به. بطل يوتوبيا واقعي جداً ولا يزيده إدراك العالم إلا قسوة. حرص أيضاً على أن يضع كلاً منهما في مواقف متشابهة ليكشف عن تصرفاتهما المتباينة في حبكة متقنة ومثيرة يتيميز بها المؤلف.

الرواية كابوسية لكنها أيضاً قاسية جداً. يصيح بطل الأغيار:


"ثمة شخص جمع الأوغاد والخاملين والأفاقين وفاقدي الهمة من أرجاء الأرض في وطن قومي واحد هو مصر... لهذا لا تجد في ألمانيا وغداً... لهذا لا تجد في الأرجنتين أفاقاً... كلهم هنا يا صاحبي........هأنتم أولاء يا كلاب قد انحدر بكم الحال حتى صرتم تأكلون الكلاب !.. لقد أنذرتكم ألف مرة .. حكيت لكم نظريات مالتوس وجمال حمدان ونبوءات أورويل وهـ .ج. ويلز..لكنكم في كل مرة تنتشون بالحشيش والخمر الرخيصة وتنامون ... الآن أنا أتأرجح بين الحزن على حالكم الذي هو حالي، وبين الشماتة فيكم لأنكم الآن فقط تعرفون .. غضبتي عليكم كغضبة أنبياء العهد القديم على قومهم، فمنهم من راح يهلل ويغني عندما حاصر البابليون مدينته .. لقد شعر بأن اعتبارهقد تم استرداده أخيرًا حتى لو كانت هذه آخر نشوة له .. إنني ألعنكم يا بلهاء .. ألعنكم !"

بينما يقول بطل يوتوبيا:


"يا لقذارتك.. يالقذارتك.. ليس فقرك ذنبنا... ألا تفهمين بعد أنكم تدفعون ثمن حماقتكم وغبائكم وخنوعكم؟... عندما كان آباؤنا يقتنصون الفرص كان آباؤكم يقفون أمام طوابير الرواتب في المصالح الحكومية . ثم لم تعد هناك مصالح حكومية.. لم تعد هناك رواتب.. أنتم لم تفهموا اللعبة مبكراً لهذا هويتم من أعلى إلى حيث لا يوجد قاع... ما ذنبنا نحن؟.. عندما هب الجميع ثائرين في كل قطر في الأرض، هززتم أنتم رؤسكم وتذرعتم بالإيمان والرضا بما قسم لكم.. تدينكم زائف تبررون به ضعفكم... أنتم أقل منا في كل شيئ ... هذه سنة الحياة... يجب أن تقبلوها... لم يعد أحد قادراً على تغيير أي شيئ"



تبقت لدي ملاحظتان عن الرواية أولاها هو تفكير في أن انهيار الدولة الحديثة ومؤسساتها قد يعني حرب الكل على الكل كما يرى هوبز ، وكما شاهدنا في العراق، لكنه ربما أيضاً يعني ظهور بنى تنظيمية أخرى للمجتمعات ، سواء كانت استعادة لبنى تقليدية مفككة أو بنى جديدة تماماً.

الثانية هي اقتباس طويل من حلقة من برنامج مع هيكل:

"شيمون بيريز العتيد رئيس دولة إسرائيل الحالي، وبيقول له إيه؟ بيقول له في صراع قادم في الشرق الأوسط، لأنه بقى في الشرق الأوسط، في العالم العربي وهو ملحوظ وهو لاحظه وهو ينزل بالطائرة فوق القاهرة، لاحظه جدا، لأنه لاحظ أنه في ملاعب غولف كثيرة قوي حوالين القاهرة ما يسمى بالمنتجعات الحديثة، ولاحظ في جبال من الزبالة جنب عشوائيات، وقال له شيمون بيريز بيقول أنه هو يتصور أن إسرائيل، أمل إسرائيل معلق بملاعب الغولف، التعامل مع أصحاب ملاعب الغولف وليس معلق بالزبالة، بمقالب الزبالة بالعشوائيات. وبيقول أنه إيه؟ بيقول حاجة غريبة قوي، بيقول أنه هنا، مع الأسف الشديد، أكره أقول، إن التدين هنا، مش حيجيب كلمة الإسلام، إن التدين هنا نحن لا نستطيع أن نتعامل معه، لكن ملاعب الغولف هنا فيها التكنولوجيا والتكنولوجيا أقدر على فهمنا، الناس العايشين فيه، والتعامل معنا. وأنا قلت، تدخلت وقلت، قلت للورد باتين وده كان كلامي وهو سمعه مني وكلهم سمعوه مني، قلت لهم في هناك في ناس كثير قوي خايفين على مستقبل الطبقة المتوسطة في العالم العربي بيسألوا أين هي، وأنا بأقول الطبقة المتوسطة موجودة وهي تنمو لكنها غيرت مواقعها، إحنا كنا نبص عليها زمان في مواقع الوظائف، وظائف الحكومة، والقضاء، والتدريس والمدرسين أساتذة الجامعة، وإلى آخره الطبقة المتوسطة، لكنها انتقلت، وشيمون بيريز له حق في جزء معين أنها انتقلت من مواقعها إلى مواقع جديدة، ممكن يكون في قربها مواقع غولف، وممكن تكون بتفهم التكنولوجيا، لكن حتى هذه الطبقة المتوسطة أكثر من سوف يدرك حجم المطلوب للأمن القومي العربي وأن تقف هي وتدافع عنه، أظن بمقدار ما تنمو في مصالحها، بمقدار ما تطمئن، بمقدار ما عندها أمن، بمقدار ما عندها ديمقراطية، بمقدار ما عندها مشاركة، أنا أظن أن الطبقة الوسطى العربية والموجودة قرب ملاعب الغوف والفاهمة للتكنولوجيا سوف تعرف صراع التحدي وصراع الحياة الذي يتمثل بالدرجة الأولى في أمن قومي عربي يعرف أهدافه ويعرف كيف يدير صراعاته ويعرف مصادر التهديد التي يمكن يواجهها"

ختاماً، هي - دون شك- رواية تستحق القراءة.

* ملحوظة هامشية: هناك بالفعل، مدينة مسورة في السادس من أكتوبر تحمل اسم يوتوبيا ....

الأحد، فبراير ٠٣، ٢٠٠٨

يوميات حرب لبنان

حالة الحصار - عبد الإله بلقزيز


فواز طرابلسي - عن أمل لا شفاء منه - يوميات حصار بيروت 1982 - رياض الريس للكتب والنشر


عبد الإله بلقزيز - حالة الحصار - شهادات عن الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006- دار الآداب

عن أمل لا شفاء منه - فواز طرابلسي أتيحت لي الفرصة مؤخراً أن أقرأ الكتابين سوياً. توقفت كثيراً لأتأمل التشابهات والاختلافات بين الحربين. ما بدا كقدر لا يتغير، النيران تنهال على المناطق ذاتها، والمهجرون يقصدون الملاجئ ذاتها، أسماء اللاعبين الدائمين، وأولئك الذين اختفوا، من غيروا مواقعهم، ومن أدى دورهم خلفاؤهم.

تشاؤما ويأسا في الكتاب الأول ، وفرحا وفخرا في الكتاب الثاني. وفي الحالتين الغضب.

أفضل يوميات قرأتها من لبنان هي يوميات مدونة " نوادر من جمهورية موز". اضغط هنا لتقرأ - من أسفل الصفحة إلى أعلاها- ما كتبته أثناء حرب العام 2006.