يمسك بالموبايل، ويطلب رقم البيت البعيد. يستمع إلى الجرس الرتيب. يغمض عينيه ويتخيل الهاتف يرن في البيت المظلم المهجور. يتخيل الصوت ينتشر في أرجاء البيت التي حفظها وأحبها. يرى ويسمع ويشم للحظات. يغلق الموبايل ويواصل العمل.
الجمعة، أغسطس ٠٨، ٢٠٠٨
حنين
يمسك بالموبايل، ويطلب رقم البيت البعيد. يستمع إلى الجرس الرتيب. يغمض عينيه ويتخيل الهاتف يرن في البيت المظلم المهجور. يتخيل الصوت ينتشر في أرجاء البيت التي حفظها وأحبها. يرى ويسمع ويشم للحظات. يغلق الموبايل ويواصل العمل.
الجمعة، يوليو ٠٤، ٢٠٠٨
عبد الوهاب المسيري
ينهي عبد الوهاب المسيري كتابه "رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمار" بقصة فنان مدينة كورو التي يهديها لجمال حمدان و" لكل فنان أو مفكر يتفاني في عمله ويُستوعب فيه حتى ينسى تمامًا الزمان والمكان والطبيعة/المادة، ليبدع عملاً فنياً جميلاً. خامته مستقاة من الطبيعة ، ولكنه في تناسقه وتركيبيته وجماله يقف شاهدًا على قوة النفس البشرية ومقدرتها على التجاوز، والقصة من كتاب ديفيد ثورو وولدن"، ولا يمكنني الآن إلا أن أهدي نفس القصة إليه:
كان هناك فنان يعيش في مدينة كورو ، دائب المحاولة للوصول إلى الكمال. وذات مرة تراءى له ان يصنع عصا. وقد توصل هذا الفنان إلى أن الزمان عنصر مكون للعمل الفني الذي لم يصل بعد إلى الكمال ، أما العمل الكامل فلا يدخله الزمان أبداً.فقال لنفسه: سيكون عملي كاملاً من جميع النواحي، حتى لو استلزم الأمر ألا أفعل شيئًا آخر في حياتي.
فذهب في التو إلى غابة باحثاً عن قطعة من الخشب ، لأن عمله الفني لا يمكن أن يصنع من مادة غير ملائمة. وبينما كان يبحث عن قطعة من الخشب ، ويستبعد العصاة تلو الأخرى، بدأ أصدقاؤه تدريجيًا فيا لتخلي عنه ، إذ نال منهم الهَرَم وقضَوا. أما هو، فلم يتقدم به العمر لحظة واحدة، فوفاؤه لغايته وإصراره وتقواه السامية أضفت عليه ، دون علمه، شبابًا أزليًا. ولأنه لم يهادن الزمن ، ابتعد الزمان عن طريقه ، ولم يسعه إلا أن يُطلق الزفرات عن بعد، لأنه لم يمكنه التغلب عليه. وقبل أن يجد الفنان العصا المناسبة من جميع النواحي ، أضحت مدينة كورو أطلالاً عتيقة، فجلس هو على أحد أكوامها لينزع لحاء العصا. وقبل أن يعطيها الشكل المناسب ، كانت أسرة كاندهار الحاكمة قد بلغت نهايتها ، فكتب اسم آخر أعضائها على الرمل بطرف العصا، ثم استأنف عمله بعد ذلك. ومع انتهائه من تنعيم العصا وصقلها لم يعد النجم كالبًا في الدب القطبي. وقبل أن يضع الحلقة المعدنية ( في طرف العصا لوقايتها) ، وقبل أن يُزَيّن رأسها بالاحجار الثمينة كانت آلاف السنين قد مرت. وكان براهما قد استيقظ وخلد إلى النوم عدة مرات.
وخينما وضع الفنان اللمسة الأخيرة على العصا، اعترته الدهشة حين تمددت العصا بغتة أمام ناظريه لتصبح أجمل المخلوقات طُرًا. لقد صنع نسقًا جديدًا بصنعه هذا العصا ، عالمًا نِسَبُه كاملة وجميلة، وقد زالت في أثناء صنعه مدن وأسَر قديمة، ولكن حلت محلها مدن وأسر أكثر جلالاً. وقد رأى الفنان الآن وقد تكومت عند قدميه أكوام النجارة التي سقطت لتوها راى أن مرور الوقت في السابق بالنسبة له ولعمله كان مجرد وهم، وأنه لم يمر من الوقت إلا القليل.
"كانت مادة عمله نقية صافية، وكان فنه نقيًا صافيًا ، فكيف كان يمكن للنتيجة ألا تكون رائعة؟"
رحم الله المسيري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
كان هناك فنان يعيش في مدينة كورو ، دائب المحاولة للوصول إلى الكمال. وذات مرة تراءى له ان يصنع عصا. وقد توصل هذا الفنان إلى أن الزمان عنصر مكون للعمل الفني الذي لم يصل بعد إلى الكمال ، أما العمل الكامل فلا يدخله الزمان أبداً.فقال لنفسه: سيكون عملي كاملاً من جميع النواحي، حتى لو استلزم الأمر ألا أفعل شيئًا آخر في حياتي.
فذهب في التو إلى غابة باحثاً عن قطعة من الخشب ، لأن عمله الفني لا يمكن أن يصنع من مادة غير ملائمة. وبينما كان يبحث عن قطعة من الخشب ، ويستبعد العصاة تلو الأخرى، بدأ أصدقاؤه تدريجيًا فيا لتخلي عنه ، إذ نال منهم الهَرَم وقضَوا. أما هو، فلم يتقدم به العمر لحظة واحدة، فوفاؤه لغايته وإصراره وتقواه السامية أضفت عليه ، دون علمه، شبابًا أزليًا. ولأنه لم يهادن الزمن ، ابتعد الزمان عن طريقه ، ولم يسعه إلا أن يُطلق الزفرات عن بعد، لأنه لم يمكنه التغلب عليه. وقبل أن يجد الفنان العصا المناسبة من جميع النواحي ، أضحت مدينة كورو أطلالاً عتيقة، فجلس هو على أحد أكوامها لينزع لحاء العصا. وقبل أن يعطيها الشكل المناسب ، كانت أسرة كاندهار الحاكمة قد بلغت نهايتها ، فكتب اسم آخر أعضائها على الرمل بطرف العصا، ثم استأنف عمله بعد ذلك. ومع انتهائه من تنعيم العصا وصقلها لم يعد النجم كالبًا في الدب القطبي. وقبل أن يضع الحلقة المعدنية ( في طرف العصا لوقايتها) ، وقبل أن يُزَيّن رأسها بالاحجار الثمينة كانت آلاف السنين قد مرت. وكان براهما قد استيقظ وخلد إلى النوم عدة مرات.
وخينما وضع الفنان اللمسة الأخيرة على العصا، اعترته الدهشة حين تمددت العصا بغتة أمام ناظريه لتصبح أجمل المخلوقات طُرًا. لقد صنع نسقًا جديدًا بصنعه هذا العصا ، عالمًا نِسَبُه كاملة وجميلة، وقد زالت في أثناء صنعه مدن وأسَر قديمة، ولكن حلت محلها مدن وأسر أكثر جلالاً. وقد رأى الفنان الآن وقد تكومت عند قدميه أكوام النجارة التي سقطت لتوها راى أن مرور الوقت في السابق بالنسبة له ولعمله كان مجرد وهم، وأنه لم يمر من الوقت إلا القليل.
"كانت مادة عمله نقية صافية، وكان فنه نقيًا صافيًا ، فكيف كان يمكن للنتيجة ألا تكون رائعة؟"
رحم الله المسيري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
الجمعة، يونيو ٢٠، ٢٠٠٨
أصوات
كانت الطفلة تجلس في هدوء. في التاسعة من عمرها، عيناها بنيتان ذكيتان، شعرها أسود معقود بعناية في جديلة ويلمع من أثر زيت شعر ، ترتدي فستاناً بناتياً وردي اللون، وتحمل حقيبة صغيرة بفخر، وفستانها يكشف عن جورب طفولي. كل ما فيها ينبئ عن أم تعتني بها جيدًا. لم تنطق بكلمة واحدة. اكتفت بوضع يدها ، وحقيبتها، على حجرها، وأرجحة ساقيها اللتان لا تصلان إلى الأرض ، كما يؤرجح والدها الجالس بجانبها ساقيه. كان الرجل ذو الوجه المتبلد يحكي حكاية طويلة عن رجال يراقبونه ومخططات لإيذائه، كاميرات مراقبة في منزله، وأجهزة تتبع مزروعة في جسده لا تكف عن التحكم به ، و إصدار الأصوات التي تملأ رأسه، وتمنعه من النوم. توقف للحظة ثم قال أنه يسمع الأصوات في أذنيه في هذه اللحظة بالذات. قربت الطفلة رأسها من رأس والدها ، ووضعت أذنها بجوار أذنه، وهي تضم شفتيها وترفع حواجبها، لتركز وتتمكن من الاستماع بصورة أفضل.
السبت، مايو ٣١، ٢٠٠٨
الخميس، مايو ٠١، ٢٠٠٨
تلك النظرة
على المحور، وفي المنطقة التي ينحصر فيها الاتجاهان في طريق واحد، كانت هناك عربة متوقفة. خلف العربة، وقف شاب لا يتجاوز عمره الخامسة عشر يشير بيده للعربات لتهدئ من سرعتها ولتتجاوز العربة. بمجرد تجاوزك العربة تلمح رجلاً في منتصف العمر جالساً على الأرض منكمشاً بجسده لأقصى حد ليبتعد عن الطريق الضيق ، وهو يعمل بسرعة على فك عجلة العربة. أمام العربة وقفت سيدة تنظر للعربات التي تعبر على بعد سنتيمترات من الرجل. على وجهها ظهر ألم وقلق، ومدت يدها كأنما لتبعد العربات عنه، ثم نظرت له. لمحتُ نظرتها لثانية، قبل أن أتجاوزهم. حنان؟ لهفة؟ خوف؟
قبلها بأيام كانوا يتحدثون عن كتاب رجلٍ في وجوده. وعندما بدؤوا في كيل المديح له، ابتسم في خجل وتمتم بأنه لا يستحق ما يقال. بجواره كانت تجلس زوجته، بمجرد أن بدؤوا في كيل المديح له، أشرق وجهها واتسعت ابتسامتها، رفعت رأسها ونظرت له لثانية، قبل أن تنظر للأرض من جديد. فخر؟ تقدير ؟ ثقة؟
في العمل، وسط زحام من المتكلمين والغادين والرائحين ، وَقَفَت زميلةٌ تنظر بثبات إلى نقطة ما خلف ظهري. أدرت رأسي وأنا أتوقع أن أراه - خطيبها- هناك. بالفعل، كان يقف هناك، يبتسم ويبادلها النظر عبر المكان المزدحم بكل هؤلاء الأشخاص. شيئ ما في نظرتها جعلني متأكداً من وجوده. اطمئنان؟ سعادة؟ تفاهم؟
كانوا يجلسون يستمعون إليها، وكانت تتحدث بحماس وتدفق، عندما دخل المكان وجلس. كان دخوله مفاجئاً، فتاه منها الكلام. حاولت جاهدة أن تكمل ما تقوله، ونجحت في ذلك، لكنها نظرت له نظرة قصيرة - بعينين تلمعان - قبل أن تواصل. فرح؟ شكر؟ عرفان؟
مهما كانت المعاني المختلفة التي تبدو من تلك النظرات التي ألمحها لثوانِ معدودة، إلا أنها ، كلها ، لا يمكن إلا أن أصفها ب "تلك النظرة".
قبلها بأيام كانوا يتحدثون عن كتاب رجلٍ في وجوده. وعندما بدؤوا في كيل المديح له، ابتسم في خجل وتمتم بأنه لا يستحق ما يقال. بجواره كانت تجلس زوجته، بمجرد أن بدؤوا في كيل المديح له، أشرق وجهها واتسعت ابتسامتها، رفعت رأسها ونظرت له لثانية، قبل أن تنظر للأرض من جديد. فخر؟ تقدير ؟ ثقة؟
في العمل، وسط زحام من المتكلمين والغادين والرائحين ، وَقَفَت زميلةٌ تنظر بثبات إلى نقطة ما خلف ظهري. أدرت رأسي وأنا أتوقع أن أراه - خطيبها- هناك. بالفعل، كان يقف هناك، يبتسم ويبادلها النظر عبر المكان المزدحم بكل هؤلاء الأشخاص. شيئ ما في نظرتها جعلني متأكداً من وجوده. اطمئنان؟ سعادة؟ تفاهم؟
كانوا يجلسون يستمعون إليها، وكانت تتحدث بحماس وتدفق، عندما دخل المكان وجلس. كان دخوله مفاجئاً، فتاه منها الكلام. حاولت جاهدة أن تكمل ما تقوله، ونجحت في ذلك، لكنها نظرت له نظرة قصيرة - بعينين تلمعان - قبل أن تواصل. فرح؟ شكر؟ عرفان؟
مهما كانت المعاني المختلفة التي تبدو من تلك النظرات التي ألمحها لثوانِ معدودة، إلا أنها ، كلها ، لا يمكن إلا أن أصفها ب "تلك النظرة".
الأحد، أبريل ٢٧، ٢٠٠٨
ثورة 2053 - البداية

رواية - محمود عثمان - الطبعة الاولى ديسمبر 2007 - ب.ن.
تدور أحداث الرواية في المستقبل القريب ( العام 2026) على صورة مذكرات لبطلها المهندس الشاب محمد نصار. تبدو الرواية للوهلة الأولى Dystopia (يوتوبيا معكوسة) مسقبلية تقليدية تتخيل المجتمع المصري بمفرداته الحالية في صورة ممسوخة كابوسية تضخمت فيها العيوب، مع مفردات تقدم تكنولوجي مذهل، لكن الرواية تحمل أكثر من ذلك بكثير، فضلاً عن أن بها من اللحظة الراهنة أكثر بكثير مما بها من المستقبل.
نتعرف على حياة البطل محمد نصار. هو مهندس شاب ناجح ومجتهد صاحب شركة تصمم أنظمة الكترونية متقدمة، ينتمي للطبقة الوسطى العليا، في مجتمع لم يعد به سوى طبقة عليا وأغلبية تحيا في ظروف غير آدمية فيما تصارع الطبقة الوسطى العليا من أجل البقاء واللحاق بالطبقة العليا، وهو حلم المهندس محمد نصار مدمن العمل الذي يصارع لتصبح شركته شركة كبرى. يحيا حياة باردة وحيدة ليس بها سوى العمل، و تنظم حياته الآلات. لا وقت لديه ، ولا اهتمام، بأن يرتبط أو يتزوج، ولا وقت لديه ليرى والديه وشقيقته رغم حبه لهم. معزولاً خلف زجاج سيارته يطالع الملايين المكدسين في وسائل النقل العام المنهارة غير الآدمية والهائمين في شوارع القاهرة الملوثة التي لم يعد صحياً المشي فيها دون فلتر منقٍ للهواء، يضغط على الأوتوبيلوت لتنطلق العربة المتصلة بالأقمار الصناعية إلى هدفها في قاهرة أكثر قبحاً وزحاماً وتلوثاً وفقراً وعزلاً طبقياً مما يمكن تخيله.
يحيا نصار في فقاعة معزولة عن القبح الخارجي، يحارب ليظل قادراً على تحمل ضغوط العمل الدؤوب من أجل الترقي وضغوط الحياة في تلك المدينة. لكن عالمه يتغير ، وحياته تتغير، ومفاهيمه تتغير شيئاً فشيئاً عندما يتعرف صدفة على غريب - اسم على مسمى بالنسبة له- ، وهو مصور فوتوغرافي غامض لا يتعامل مع منجزات العصر التكنولوجية ويبدو غير مبالٍ بالنجاح المادي بالصورة التي يفهمهما نصار. على مدار الرواية تتعقد الأمور لنصار: فرغم اصراره على النجاح المادي، إلا أنه لتربية والديه الصارمة أخلاقياً له، يرفض الفساد في العمل. يُواجه بعرض من النوع الذي لا يمكن رفضه، إما أن يقبله ويحقق القفزة التي يطمح لها، وإما أن يرفض فتنهار شركته. مشكلته كانت أن العرض كان مريباً، مما يجعله في مواجهة أزمة أخلاقية حادة. يزيد غريب من الضغوط عليه: بأسلوب حياته يهز قناعاته عن الحياة المثلى، ينتقد الحياة المخملية المعزولة التي تحياها الطبقة العليا التي يحلم نصار باللحاق بها، يعرفه على العالم خارج فقاعته، يجعله يرى ويسمع للمرة الأولى من كان يطالعهم من خلف زجاج سيارته. عندما يطالع نصار المرآة يطالعه وجه حزين متعب.
يتسارع إيقاع الرواية وتزداد الإثارة، ليصبح من الصعب تركها دون إتمامها في الجزء الأخير. يتعقد الخطان المتوازيان: حياة نصار القديمة وصعوبات استمراها بذات الصورة، والعالم الجديد الذي يكتشفه ويتأثر به. بصورة مؤلمة يصل نصار إلى لحظة الإنارة: الإيمان الحقيقي عندما يخرج من دائرة ذاته، عندما يتخلى عن الفردانية، ويتخفف من وهم المادة، الترقي ، الغنى، الإيمان المطلق بالعقل والتقنية والمنطق البارد.
يعيب الرواية طفوليةٌ في وصف اختراعات المستقبل - بصورة قد تذكر بملف المستقبل- ، وأن الدقة النحوية والجزالة الاسلوبية ليستا أفضل مميزات الرواية ، وبعض اللجوء إلى الكليشيهات، وطول الحوارات بصورة قد تبعث على الملل، إلا أن محتوى الحوارات الهام يعوض عن ذلك.
في حفل توقيع الرواية بالكتب خان، تحدث المؤلف عن ردود الأفعال التي أثارتها الرواية، وعمن راسلوه قائلين له أنهم يفكرون بنفس الطريقة، وأنهم يشعرون بالقلق ذاته في ذات اللحظة الراهنة الفارقة. مست الرواية وتراً لدى من شعروا بأن حياتهم مقاربة لحياة البطل وينتمون لنفس طبقته الوسطى العليا. هم مهنيون أو رجال أعمال ناجحون يحيون حياة لا بأس بها أبداً، لكنهم يشعرون بخوف كبير من الغد. يحسون أن الحياة التي يحيونها لن تستمر بذات الطريقة، والمستقبل لا يحمل سوى احتمالات مرعبة. "الحل الفردي" الذي اختاروه لم يعد ممكناً، فالفساد يجبرك على أن تخضع له ليشوه حلك الفردي مهما حاولت الانعزال، فضلاً عن أن المستقبل يحمل نذر زلزال لا يترك أحداً. تحدث المؤلف عن هجرة كثيرين يعرفهم رغم ظروف حياتهم الرغدة، لكنهم هاجروا لأنهم يشعرون بأن الحياة القديمة لن تستمر، وأن البلد تقف على شفا حفرة. المعارضة الحالية غير مقنعة، الانعزال والحلول الفردية لم تعد نافعة في مركب يغرق، الهجرة ليست أفضل الحلول. يحاول عثمان أن يقدم تصوره لما يمكن أن يكون عليه الحل في روايته التي يهديها إلى: " كل مواطن يؤمن بأن التغيير لا يزال ممكناً".
تعرض الرواية لحياة ومخاوف وتطلعات الطبقة الوسطى العليا حالياً- وإن اختار المؤلف المستقبل ساحة لروايته- لكنها ليست رواية طبقية بالمعنى السلبي. في حوارات مطولة يهاجم المؤلف ويحطم الحجج والأساطير والمحفوظات المسكنة والمريحة للأعصاب والضمائر المنتشرة في طبقة البطل - وطبقات أخرى-. ينتقد تأليه العمل والنجاح المادي، استغلال العمالة والحديث عن فتح البيوت، تحليل الرشوة...الخ، يحلل ويشرح ويعلن رفضه. يدافع بقوة عن الديموقراطية وعن حق المصريين في حياة كريمة ، بكرامة، مهاجماً الاحتجاجات النيوليبرالية والعنصرية الثقافية.
عندما بدأ المؤلف في الحديث عن تجربته مع الكتابة اتضح لي البعد الشخصي القوي في الرواية. حكى المؤلف عن إدمان للقراءة منذ الطفولة، عن غرام بالأدب، وحلم بالكتابة، وإن كان لا يعرف ماذا يكتب. حكى عن عمله مهندساً وعن المشاريع المختلفة التي عمل بها، وعن حرصه المستمر على أن يحاول أن يكون إلى جانب توجه عمله للربح، جانب لمساعدة الفقراء أو للصالح العام. حكى عن أنه في أغلب الأوقات فشل في تحقيق تلك المعادلة، وعن أنه باستمرار عمله بالهندسة اكتشف أن هناك مشكلة ما أساسية تمنع وتُفشِل باستمرار تلك المحاولات الصغيرة. حكى عن انشغاله بالعمل عن الكتابة ، وأنه كتب نسخة مصغرة من هذه الرواية في أوائل التسعينات ليكتشف أن الكثير مما توقع حدوثه بسوداوية قد تحقق بالفعل مما دفعه إلى التساؤل عن جدوى الكتابة. في فترة انتقالية بين وظيفتين تحقق له أخيراً فائض من الوقت، فجلس وكتب قصصاً قصيرة، كانت إحداها تنويعاً على هذه الرواية، مما دفعه إلى العودة إلى الاوراق القديمة وكتابة النسخة الحالية من الرواية. من سماعي هذه التجربة أدركت أن الرواية جاءت حكياً موازياً لتجربته الحياتية ولقناعاته التي تكونت ، ولبحثه عن المعنى وعن الصواب، رسالة للناس، وفي الوقت ذاته هي ذاتها الإجابة عن سؤال لماذا أكتب، بحثاً وجودياً مهموماً بالأخلاقية.
عندما انتهيت من قراءة الرواية، شاهدت في اليوم ذاته فيلم جنينة الأسماك. جعلني العملان أدرك أنني لست وحيداً في شعوري بالخوف، وفي أن هناك شيئاً ما سينهار وسيأتي شيئ ما بشع فوق ما نتصور، ونحن لا نملك سوى انتظاره في عجز. يحاول محمود عثمان في الجزء الأول من روايته ذات الجزئين، أن يقول أن هناك شيئاً ما يمكن عمله، رغم كل هذا الخوف.
التسميات:
الطبقة,
المستقبل,
ثورة 2053 - البداية,
رواية,
عروض كتب,
ما بعد مبارك,
محمود عثمان,
مصر
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)