الأربعاء، ديسمبر 12، 2007

هي فوضى


هي فوضى - يوسف شاهين وخالد يوسف

spoiler warning- تنبيه: يحتوي على حرق للأحداث

يقدم شاهين في الفيلم رؤية لمصر الآن مع تقديمه للحل الذي يؤمن به أو يتوقعه، أو يتمناه. كانت الرموز التي استخدمها واضحة للغاية، حتى أوشك على التصريح، أو هكذا بدت لي على كل حال. كانت رؤيةً لمصر رسمت على شفتي ابتسامة ، إذ كانت قادمة من ربيع 2006 : من أجواء المعتصمين في شارع عبد الخالق ثروت على الرصيف المقابل لنادي القضاة، الذين ما إن يقفوا في شرفة النادي لتحية المعتصمين يقابلون بهتاف :" يا قضاة يا قضاة، خلصونا من الطغاة"، محاكمة البسطويسي ومكي، المظاهرات الهائلة التي تقمع كل خميس، الاعتقالات بالجملة، الشعور بأن التغيير على الأبواب.

زار شاهين القضاة المعتصمين في ناديهم ذلك الربيع لإعلان تضامنه معهم، كما أن تصريحاته الصحفية خلال الأعوام الماضية هي تصريحات معارضة غاضبة على النظام.

ولكن فلنتكلم عن الفيلم أولا ، حدوتة الفيلم عن أمين الشرطة الفاسد حاتم الذي يستغل سلطاته في فرض الإتاوات على التجار وفي قبول الرشاوي وفي التغاضي عن خرق القانون وفي تعذيب المتهمين..الخ، والذي يقع في حب جارته المدرسة نور التي لا تطيق رؤيته، بينما تحب بدورها ابن ناظرة مدرستها وكيل النيابة شريف، الذي كان متعلقا بفتاة غنيه مستهترة لكنه يتركها ليحب نور، ويحميها من مضايقات حاتم. يدبر حاتم اختطاف نور ويغتصبها، ويناضل شريف لاثبات التهمة على حاتم، وينجح في اللحظة التي يتجمع فيها الأهالي الغاضبون ليحاصروا قسم الشرطة ، ويهرب حاتم وعندما يحاصر بالأهالي وبرجال الشرطة يحاول قتل شريف لكنه يفشل فيقتل نفسه.

أدرك أن التلخيص المريع الذي قمت به جعل الفيلم يبدو كقصة رومانسية من الدرجة الثالثة، فما الجديد في الفيلم؟ كان جديداً ومدهشاً أن ترى على الشاشة الكبيرة من يذكر "الحزب الوطني" و"لجنة السياسات" بسوء - بصورة غير مباشرة، ولكن..- ، أن ترى من تقول: " مش كفاية قاعدين على قلبنا بقالكم 24 سنة"، أن تشاهد رجال الشرطة يتلقون الرشاوي ويسبون المواطنين، يخططون لتزوير الانتخابات ، يضربون المتظاهرين، يعذبون المتهمين، يهددون الناس ويخيفونهم بوظيفتهم، أو رجال شرطة تائهين فاشلين في عملهم أو ساديين عنيفين، أن تشاهد غرف الحجز قذرة كما هي فعلا ، أن تشاهد محتجزين سياسيين يضربون ضابطاً، أن تسمع هتافات سياسية حقيقية -"عمر السجن ما غير فكرة" مثلاً-


أما رؤية شاهين لمصر كما تبدت من الرموز المستخدمة فلم تكن جديدة كما أسلفت.. أمين الشرطة الفاسد - الذي أعتقد أنه لم يكن ضابطاً لأسباب رقابية فقط- هو السلطة الديكتاتورية التي تطارد الفتاة البريئة نور ( مصر؟ الشعب؟ المستقبل؟ ) ، التي تبحث عن مهرب فتلجأ إلى ناظرة المدرسة التي كانت ناشطة طلابية سبعينية ( المثقفون يلعبون أدواراً إيجابية؟) ، ووكيل النيابة ( القضاء؟) يساعدها بعد أن يترك الفتاة المستهترة ابنة عضو لجنة السياسات ( يتخلى القضاء عن أوهام العلاقة بالسلطة التنفيذية؟) ، وبعد حادث الاغتصاب، تقوم والدة نور بهية ( لاحظ الاسم ذي الدلالة الشاهينية ) بجمع الأهالي وتقودهم مع الناظرة لمحاصرة القسم ( ثورة عمادها المتضررون من النظام بقيادة شعبية وطليعة مثقفة؟) ، بينما داخل القسم يقوم وكيل النيابة ( القضاء؟) بأدوار بطولية: يحرر السجناء السياسيين ، يمنع الشرطة من إطلاق النار على المحتجين، بل ويقول لهم :"سأحميكم".( لا ترميز هنا!) كانت لافتات الانتخابات الظاهرة في الفيلم ممثلة لثلاث اتجاهات: الحزب الحاكم وهو بالطبع قضية مغلقة، والإخوان المسلمون الذين زارت مقر مرشحهم بهية ونور باحثين عندهم عن حل للمشكلة فواجههما رجل يحدثهما بلغة متقعرة لم تفهمانها ووجه لهما نصائح أخلاقية بعيدة عن المشكلة مهتما فقط بصوتهما في الانتخابات بانتهازية ( يعني ليس هناك ترميز كبير هنا أيضاً ، "الشعب" يكتشف "حقيقة" الإخوان وزيفهم وعجزهم عن الحل وانتهازيتهم...الخ)، ومرشح التغيير ذي اللافتات الحمراء الذي طار به الفيلم عشرات الكيلومترات جنوباً من بلطيم إلى شبرا: حمدين صباحي ، الذي لم يظهر في الفيلم سوى شعاراته على لافتاته : لا للتوريث، لا للخصخصة، مرشح العمال والفلاحين. هذه هي الطرق الثلاث - في رأي شاهين، أو في رمزه- أمام مصر، وعلى الرغم من أن طريق المعارضة الحمراء لم يظهر في الفيلم - سوى بخلفية الناظرة اليسارية- فإنه باستبعاد الوطني والاخوان لا يبقى سواه.

يعني باختصار: الشعب سيجمع قواه بقيادة المثقفين تاركا خلف ظهره الإخوان المسلمين يقوده المثقفون المعارضون ويحميهم القضاء -ويقودهم أحيانا- للتخلص من الديكتاتورية الحالية.

انتهى زمن رسائل ورموز "المصير" عن الوالي والأمير وأبنائه، فالريس غائب لا يعرف شيئا عن مرؤوسيه وشاهين لا يرى أي أمل فيه ( مأمور القسم التائه الغافل عن كل الفساد والتجاوزات الحادثة في قسم الشرطة والذي أدى دوره باقتدار أحمد فؤاد سليم ؟)

أعود لحيث بدأت: هو فيلم ذكرني بالعامين 2005 و 2006 بقوة، لكن مياها كثيرة جرت في النهر منذ ذلك الوقت: عدل الدستور بما يلغي قاعدة قاضِ لكل صندوق، وصرح القضاة بأن المعارضة ضعيفة وأساءت إليهم بتصويرهم كثوار، وقال ابراهيم عيسى - الذي كتب مقالا وقتها بعنوان" قضاء مصر قدرها" يلمح إلى امكانية التفاف المصريين حول القضاة كرموز لتغيير نظام مبارك- "أننا حملنا القضاة ما لا يطيقون، وحملناهم فعل ما نريده" ، وجلس الجميع في هدوء منتظرين انتقال السلطة. هي مصر غير موجودة تلك التي يقدمها شاهين، لكنها قد تكون حلمه أو أمله. كما أن الفيلم أخل بواقعيته الشديدة في المشاهد شبه الفانتازية لاقتحام وكيل النيابة للقسم وما تلاها، وأخل بالرمز بتركيزه الشديد على هوس حاتم بنور الذي يصلح مع حكيه عن طفولة محرومة لتفسير سيكولوجي لا سياسي للفيلم.

لا يقلل ذلك من قيمة الفيلم ومن المتعة التي نلتها بمشاهدته، وخصوصا بأداء خالد صالح.

بدأ الفيلم بمشاهد تسجيلية من مظاهرات طلعت حرب و القضاة ، وعصي الأمن المركزي ترتفع لتهوي فوق رؤوس المتظاهرين، ولكن قرب نهايته انعكس المشهد فأحاط المتظاهرون برجال الشرطة ارتفعت أيديهم لتضرب بانتظام كأنهم يحملون عصيا، بينما فر رجال الشرطة هاربين إلى داخل القسم.

الأربعاء، نوفمبر 28، 2007

حكاية محل

هناك بعض المحلات التي يبدو أن لعنة ما حلت بها جاعلة منها محلات خاسرة تدفع بملاكها إلى الإفلاس. خطرت على بالي هذه الفكرة وأنا أتأمل محلاً بجوار منزلي مر برحلة طويلة تعاقب فيها عليه الملاك والمستأجرون وتم فيها تغيير النشاط ونوعية السلع المعروضة مرات عديدة.

أول ذكرى عندي لهذا المحل تعود إلى طفولتي عندما كان محل خردواتي تقليدي أشتري منه بعض الالعاب البسيطة أو الحلويات، وفي مرة أردت شراء سيف بلاستيكي لعبة لأحمله أثناء أدائي لدور صغير في مسرحية مدرسية تاريخية( لا زلت أذكر العبارة الوحيدة التي كنت سأقولها والتي تدربت مراراً على قولها: أهذا جزائي أني أنقذتك من القتل!). ذهبت إلى البائع العجوز وطلبت منه بكل أدب سيفاً لعبة، لأفاجئ به ينفجر غاضبا كعادة العجائز نافذي الصبر. أخذ البائع يصيح لاعنا الأيام السوداء التي يعيشها، ويتحسر على الذي حدث للبلد وللناس حتى يأتي طفل ليطلب شراء سيف ، ويرتكب شاب جريمة فظيعة، متوقعا أن القيامة ستقوم قريبا داعيا الله أن يأخذه حتى لا يرى ما الذي سيحدث أكثر من ذلك. عجزت عن الرد طبعا وعدت إلى البيت حزينا، لأؤدي دوري في المسرحية ولأقول "أهذا جزائي أني أنقذتك من القتل" دون سيف أتمنطق به. كان حينا وقتها قد روع بجريمة قتل بشعة ارتكبها شاب ضد زوجة والده ، ويبدو ان البائع قد ربط بين الجريمة وبين ميول إجرامية عنيفة ظهرت في المجتمع حتى لتدفع طفلا بريئاً لطلب سيف للعب به. أحب أحياناً أن أفكر أن اللعنة التي أصابت ذلك المحل قد بدأت في تلك اللحظة التي صرخ فيها البائع في وجه ذلك الطفل كاسراً قلبه حارما إياه من متعة قول "أهذ جزائي أني أنقذتك من القتل" بطريقة مناسبة.

الذكرى التالية هي للمحل عندما أصبح محلاً لبيع شرائط الكاسيت، اشتريت منه شريط الفرحة لمحمد منير، وهو شريط رديء جداً على فكرة. بعدها بدأ المحل مرحلة التغيير السريع للأنشطة والملاك والمستأجرين، فقرر أن يجاري الموجة الرائجة في المحلات دون مخاطرة ليصبح محلاً لبيع الدباديب والتذكارات، لكن فشله على الرغم من نجاح أقرانه دفعه إلى أن يجرب أكثر مشروع مضمون لمحل في نفس وضعه وهو أن يبيع الموبايلات واكسسواراتها وكروت الشحن..الخ، لكن تلك المحاولة فشلت دافعة به إلى اكتئاب جسيم -فترة إغلاق- خرج منه بعزيمة قوية وببائع ملتح يبيع البخور والعطور والشرائط الدينية ، لكن التزام المحل الديني لم يكن كافيا للتغلب على النحس، فشل المشروع وأغلق لفترة، وعلى بعد خطوات منه جلس البائع الملتح يبيع بنجاح نفس بضاعته من العطور والبخور خلف طاولة صغيرة نصبها في مدخل عمارة ، ولا زال يواصل تجارته حتى اليوم. عجز المحل عن مواجهة هزيمته أمام مدخل العمارة وظل مغلقا لفترة طويلة، لكن حلاوة الروح جعلته يحاول التحول لمحل لبيع الأحذية ، فعندما مررت بجواره منذ شهرين وجدت بائعا يرص الأحذية في الفاترينة. لكن ككل حلاوة روح كانت مجرد ارتعاشات قلب يحتضر، فشل المشروع قبل أن يبدأ، فلم يتم افتتاح المحل كمحل أحذية واختفت الأحذية من الفاترينة، ولا يزال المحل مغلقاً حتى اليوم.

الأحد، نوفمبر 25، 2007

كوميديا طبقية




استكمالاً لأشباح طبقية

تامر وشوقية مسلسل كوميدي على طريقة الست كوم ، عرض الجزء الاول منه في رمضان العام الماضي، والجزء الثاني منه في رمضان هذا العام. يحكي المسلسل عن تامر (أحمد الفيشاوي) وهو محام شاب من أسرة غنية الذي يقع في حب - ويتزوج لاحقا- شوقية ( مي كساب) المدرسة التي تنتمي لأسرة فقيرة. الخط الرئيسي في المسلسل هو التناقض بين المستوى الاجتماعي -و الطبقي- بين الأسرتين، إضافة لخطوط درامية أخرى.

لاحظت على الفور - ولاحظ العديدون بالطبع- تشابهاً بين تامر وشوقية وبين دارما وجريج، وهو مسلسل ست كوم أمريكي عن جريج وهو محام - أيضا- و واسب من عائلة ثرية يقع في حب - ويتزوج - دارما الفتاة التي تنتمي لعائلة من الهيبيز.

سواء كان هذا التشابه اقتباسا أو مجرد تشابه لوقوع الحافر على الحافر، إلا أن مشاهدة حلقة من كل من المسلسلين في نفس اليوم أوضحت لي ما بدا كفارق أساسي بين المسلسلين.



في دارما وجريج يقدم المسلسل كوميديا تسخر من المحافظة والليبرالية -بالمقاييس الامريكية- لاعبة على التناقض بينهما في مواقف كوميدية. في الأسرة الثرية الأم متسلطة تكبت مشاعرها في تكبر ، تتحدث برسمية وتهتم بحفلات جمع المال لقضايا لا تهتم بها. الأب رجل ثري يخشى زوجته ويتعامل مع زواجه المفكك بالاغراق في الشراب والسخرية. في أسرة دارما - واسمها ذو دلالة دينية هندية مما يدل على اهتمام الأسرة بالديانات الشرقية- الأب من نشطاء الحرب على فيتنام ولا زال يحيا في عالم الستينات ويبدو كمدخن ماريجوانا ضائع يتحدث دائما في غضب عن المؤسسة والمجمع الصناعي العسكري، والأم نباتية تتحدث عن التوافق مع الطبيعة طوال الوقت ، والأم والأب غير متزوجان لعدم اعترافهما بمؤسسة الزواج.

يعني ، حتى لا أطيل، يقدم المسلسل صورا كاريكاتورية للجانبين دون انحياز لطرف على الآخر، لاعبا على التناقضات بين طريقتين للحياة مقدما فرص التلاقي والتجافي عندما ترتبط الأسرتان بالمصاهرة.

أما المسلسل المصري، فاختار جعل التناقض الرئيسي تناقضا طبقيا، بين أسرة تسكن حيا راقيا وأخرى تسكن حي العمرانية. ما لاحظته بعد مشاهدة المسلسلين معا، هو أن المسلسل المصري لم يفعل كنظيره الامريكي من تقديم صور كاريكاتورية للجانبين المتقابلين. اختار تامر وشوقية أن يسخر سخرية قاسية من الأسرة الفقيرة، مقدما بعض أفرادها في صورة أقرب للحيوانية: ارتفاع الصوت وحك الجسم والفشل في الجلوس على مقعد بطريقة لائقة والأكل بطرق مقززة والابتسامات البلهاء. بينما لم يسخر من الاسرة الغنية او يقدمها بصورة كاريكاتورية بنفس الدرجة، ولا بنفس الطريقة. ففي الدرجة: سخر بطريقة أقل، وفي الطريقة: أنه لم يسخر من غناها ومن طريقة حياة الأغنياء، بل من صفات جانبية لدى كل شخصية: حب شقيقة تامر للأكل، تكبر الوالدة، نسيان الوالد...الخ، كانت السخرية منهم كأفراد وليس منهم كأسرة (طبقة) على عكس الأسرة الفقيرة.

قدم المسلسل تفاصيل حياة الاسرة الفقيرة بمفرادتها المختلفة بصفتها شيئا مضحكا ( فضلا عن كونها تفاصيل غير دقيقة) ، بينما حياة الأسرة الغنية ومفرداتها هي الوضع الطبيعي الذي لا يستدعي السخرية ، إلا فقط السخرية من الأسرة الأفقر عندما تحتك بتلك المفردات الجديدة عليها. هكذا تتولد المواقف الساخرة عندما يتحدث شقيق شوقية عن الميكروباص الذي يملكه، وعندما تسمي شوقية البلاي ستيشن بالفلاي ستيشن أو تخطئ في نطق كلمة الكافيه، لكن ما الذي يستدعي السخرية في الكافيه نفسه؟ اليس الكافيه هو الوضع الطبيعي الذي يحاكم على أساسه الأسرة الفقيرة؟ ألا نذهب كلنا إلى الكافيه. أنا وأنت وتامر وصناع المسلسل والسادة المتفرجون؟

لا أعتقد أن هذا جاء اختيارا واعيا، لكنه معبر عن قناعات صناع المسلسل التي فشلوا في تجاوزها لتقديم عمل متوازن وساخر فعلا من الاختلافات الطبقية وفرص التلاقي والتجافي كما في المسلسل الأمريكي.

لا أعني مما سبق أنني لا أحب مشاهدة تامر وشوقية، فعلى العكس شاهدت الكثير من حلقاته على العكس من دارما وجريج الذي -على الرغم من توازنه- ظل ممثلوه وكوميديته ثقيلة الظل على قلبي. أكثر مواقف تامر وشوقية التي تنال إعجابي هي التي تركز على الخطوط الدرامية الأخرى (خاصة أحمد مكي ) وأثقلها ظلا هي التي تقدم هذه الرؤية الطبقية الفجة وغير المتوازنة.

الأربعاء، نوفمبر 21، 2007

منديل الحلو

منديل الحلو

منديل الحلو - فيلم قصير
بطولة: أحمد كمال ، حبيبة درويش
إخراج: أيمن الأمير

أيمن الأمير صديق وزميل. كلانا خريجو دفعة واحدة من كلية الطب، لكن حبه للسينما دفعه إلى الالتحاق بورشة التكوين السينمائي بمركز الجزويت منذ عامين، ومنديل الحلو هو فيلم تخرجه من الورشة.

قصة الفيلم "تشيكوفية" الطابع، عن مدرس ثانوي فقير يواجه في استكانة هجر زوجته التي تغادره بصحبة ابنتهما. يذهب المدرس إلى لجنة لمراقبة امتحان الثانوية العامة ليواجَه بطالبة تذكره بابنته، ويتابع الفيلم هذه المواجهة بين المدرس والطالبة في لجنة الامتحان.

أتذكر الآن أيمن منذ أكثر من عام وهو يفكر في فكرة لمشروع تخرجه. كنا نجلس على رمال شاطئ العجمي وهو يعرض عليَّ فكرة عن مدرس وطالبة، قلت له أنها :" همممم ، لا بأس بها". عرض عليَّ بعدها فكرة مُرَوِّعَة عن زوج يشك في زوجته مع الكثير من ماء النار المتطاير والتشويه والصراخ، فقلت له أن فكرة المدرس والطالبة ررررررائعة!( لكن إحقاقًا للحق ، اقترحت عليه بدوري أفكارا مبتسرة تصلح كقصص قصيرة بائسة،عاكساً مشكلتي المزمنة في محاولاتي الأدبية: تجاوز اللقطة إلى الحدوتة). اقترح عليه بقية الأصدقاء ساخرين أفكارًا تصلح لإلقاء أيمن في السجن، فتقبل أيمن السخرية في حكمة وهدوء. كانت هذه عادة أيمن عندما نسخر منه،أن ينظر للسماء في تبتل وهو يتمتم ما أتخيل أنه شيئ على غرار رب اغفر لهم فإنهم لا يعلمون و مرددا شيئا ما عن فيلليني الذي سخروا منه هو أيضاً.

أحمد كمال
في 25 أكتوبر الماضي ، كان موعد عرض أفلام خريجي تلك الدفعة من الورشة ، ومن بينها منديل الحلو. أعجبت بالفيلم الذي كان أفضل الأفلام المعروضة - في رأيي على الأقل- وأكثر فيلم حاز تصفيق الجمهور، وتفاعل الجمهور معه مصفقين مع لحن أغنية عبد العزيز محمود. منذ أن سمعت الفكرة، وخلال الإعداد للفيلم وقراءاتي للسيناريو وحضوري ليوم تصوير ، تخيلت الفيلم في صورة معينة، لكن تحول الفكرة إلى مشاهد بصرية كان كالسحر، لأعجب بالفيلم وأصفق متحمساً بعد انتهائه. أعجبني في الفيلم حرص أيمن على جمال الصورة، واختياراته الموفقة لزوايا التصوير المتوافقة مع الحالة النفسية للبطل، الموسيقى التصويرية*، وبصورة أهم -لأنني لا أعرف الكثير من الjargon السينمائية- نجاح أيمن في تقديم فيلم بسيط غير متكلف وممتع، وباعث على البسمة في هدوء في بعض الاحيان، ومؤثر وجاذب.

كان أكثر أداء لافت هو لأحمد كمال وهو واحد من ممثلي الشخصيات الموهوبين: سليمان الصايغ في الكيت كات، الضابط في مواطن ومخبر وحرامي، الدكتور في بحب السيما، شقيق جيهان فاضل المحافظ في سهر الليالي، المدرس الذي أحب طالبته حتى انهارت مهنته في أحلى الأوقات، المدير الوغد في أحلام حقيقية. وأدى دور البطولة باقتدار، ناقلا مشاعر المدرس المتقلبة عبر ملامح وجهه ونبرات صوته.

أيمن في تي شيرت رمادي يوجه المصور وأحمد كمال وحبيبة ينتظران، ويظهر أيضا الميكروفون صاحب العادة البذيئة في التحليق فوق رؤوس الممثلين أثناء التصوير، وهو أمر يحدث حتى مع فيلليني كما يؤكد أيمن

بقي أن أذكر ما رأيته من جوانب نقص في الفيلم، وكلها يمكن إرجاعه إلى الميزانية المحدودة التي أنتج بها الفيلم: عدم وضوح الصوت في بعض الأحيان -وهو عيب مشترك بين كل أفلام الورشة التي عرضت يومها- بسبب استخدام أجهزة ذات كفاءة منخفضة، إضاءة بعض اللقطات أسوء من بقية الفيلم، وبعض اللقطات تبدو كأنها أنتجت ب"دربكة" وعلى عجل، وذلك نتيجة توفر أماكن التصوير (المدرسة) لوقت محدود جدا.

حصل أيمن مؤخراً على منحة من وزارة الثقافة المصرية لإنتاج فيلم عن قصة الحكم لكافكا، لكن لم يظهر حتى الآن إن كانت نقود المنحة لفيلم أيمن وأفلام الفائزين الآخرين قد غرقت في أزمة ديكور سفينة صديق فاروق حسني.

بعد انتهاء عرض الفيلم، احتفلنا بأيمن -مؤكدين له أن اسكندرية تحبه في تلك الليلة- في سيد صواريخ . كان الأصدقاء قد ساعدوه في أمور كثيرة: الترجمة، الموسيقى*، مساعدات كمبيوترية متنوعة..الخ، وزملاؤه في الورشة قد ساهموا متطوعين في أغلب الوظائف المساعدة في الفيلم، ووجدت أنني قد اكتفيت بالفرجة والمتابعة من بعيد، ولذلك وعدت أيمن بإعلان تسجيلي غير مدفوع الأجر وها هو:

يعرض فيلم منديل الحلو لأيمن الأمير في المركز الثقافي البريطاني بالعجوزة ، يوم الجمعة الموافق 23 - 11 - 2007 ضمن مهرجان الأفلام المستقلة الثاني ، في الحادية عشرة مساءً.


*من إعداد د.محمود ياقوت

السبت، نوفمبر 10، 2007

فيرتيجو



فيرتيجو - أحمد مراد - رواية - ميريت


بعد حوار تليفوني طويل استعدت حماسي للقراءة إثر فترة توقف لانشغال بالعمل. ذهبت للمكتبة واشتريت فيرتيجو التي كنت قد شاهدت لقاءً مع مؤلفها أحمد مراد على مساءك سكر زيادة في OTV . لم أذكر من اللقاء سوى اسم الرواية الطبي اللافت، وأنها العمل الأول لمؤلفها طبيب الأسنان الشاب.( تصحيح : المصور الشاب!)


الرواية جاءت مفاجأة جميلة . لم أقرأ عملاً جيداً مثلها منذ شهور، ربما منذ واحة الغروب والتلصص. ورغم حجمها الكبير نسبيا - 400 صفحة- قرأتها كاملة في ليلة واحدة ، إذ بعد بداية بطيئة لصفحات معدودة، تجذبك الرواية لتجعل من الصعب عليك أن تتوقف عن القراءة.


تدور الرواية عن مصور شاب ( أحمد كمال) يتواجد بكاميرته في المكان والزمان الخاطئين، ليشهد جريمة دموية هي تصفية حسابات بين "الكبار". خط الكشف عن فساد وتلاعب "الكبار" خط رئيسي بالرواية، وهو إن بدا لأول وهلة تكرارًا - فجًا في اختيار الأسماء بعض الاحيان كالحديث عن الداعية عمر حامد والشيخ خالد العسكري والصحفي إبراهيم شافع..الخ- لفضائحية يعقوبيان الأسواني وأشباح ابراهيم عيسى الوطنية، إلا أنها تتجاوز الاكتفاء بالكشف عن المعلوم المسكوت عنه من حكايات الفساد إلى نسج ذلك في حبكة الرواية.


الرواية ليست سياسية بالضبط، أو لنقل ليست فقط سياسية . فهي سياسية تكشف عن وعي سياسي ثاقب للمؤلف، وبوليسية ذات إيقاع لاهث يدفعك للقراءة في أحيان أخرى، ورقيقة في مواضعها الرومانسية،وإنسانية في عرضها للظلم والقهر والقسوة التي تواجه الأبطال، وذات أسلوب ساخر هادئ في معظم المواضع. المؤلف موهوب أيضًا في رسم ملامح الشخصيات -وإن أطنب في وصفه التقديمي لبعضها بصورة تشتت الانتباه- وإن كانت ميزته الرئيسية هي الحوار الذي جاء واقعيًا جدًا يمكنك أن تتخيل الأبطال يرددونه في رأسك - مصحوبا بالمشاعر المناسبة بالطبع- بينما تقرؤه ( صدام أحمد مع جودة مثلاً).



لا أتذكر ملاحظات سلبية لي عن الرواية سوى قلقي في بداية القراءة من أن تكون مجرد رواية فضائحية أخرى ، وهو ما تبدد لاحقًا، و موضع بدا فيه اختلاط في شخص الراوي وبدا أن المؤلف يتحدث شخصيا ويعلق ويدلي بآرائه لكنه عاد لدور الراوي كلي المعرفة في بقية الرواية، وبعض المواضع التي استخدم فيها المؤلف الضمائر بكثافة بما يجعل التعرف على أي "هو" مقصود أمرًا صعبًا، كما أن الدقة النحوية والإملائية والجزالة اللغوية ليسوا بالضبط أفضل مميزات الرواية.


يستحق المؤلف التهنئة لنجاحه في أن يكون عمله الأول على هذه الدرجة من التميز، وللجهد المبذول في رسم شخصيات مركبة تعلق بالذهن، وللحوار الواقعي، وللحبكة المتقنة المثيرة، ولمعرفته بالتفاصيل الفنية لعوالم الأبطال وما يقومون به، وأيضًا للنهاية السعيدة -نوعًا ما- التي تكشف عن نزوع للتفاؤل رغم ما كل ما يدعو إلى التشاؤم.




يعني ببساطة يا اخوان: اقرؤوا فيرتيجو، إن لم تكونوا قد قرأتموها بالفعل...

الاثنين، سبتمبر 10، 2007

تطوير القطاع الصحي

مع الإعلانات المستمرة عن برنامج تطوير التأمين الصحي، وتفكيري المستمر في عيوب القطاع الصحي بمصر ووسائل تطويره، واصلت القراءة والبحث والتحدث مع الزملاء محاولا الوصول لرأي . أثناء ذلك، عثرت على ورقة عمل منشورة في ملحق كتاب * لفتت انتباهي بشدة. كان عنوان الورقة (القائمة الكاملة لإصلاح سياسات القطاع الصحي في مصر والمقدمة من هيئة المعونة الأمريكية ووزارة الصحة والسكان المصرية (1997)) ، وكتب بجوارها أنها قدمت في 2001. ما لفت انتباهي هو قدم الورقة النسبي ، واحتوائها على تفاصيل تغييرات رأيتها قد حدثت بالفعل و أخرى ستطبق لاحقا، وتعرضها لوزارة الصحة وليس للتأمين الصحي فقط.

استغربت لأن الورقة متوفرة على ما يبدو منذ زمن بعيد ، لكن الصحف تعاملت مع إعلانات تطوير القطاع الصحي في برنامج مرشح الحزب الوطني للرئاسة عام 2005 وتصريحات وزير الصحة ولاحقا التغييرات في التأمين الصحي بصفتها أشياء مفاجئة.

فكرت في إعادة نشرها هنا، لأنها وإن كانت لا تحوي أخبارا جديدة إلا أنها تقدم إجمالا لما تم وأعلن أنه سيتم.


( تعليقاتي بخط صغير ومائل تحت الإجراءات)



1- دور وزارة الصحة والسكان:



ركيزة 1 - ترشيد الدور التمويلي للرعاية العلاجية بالوزارة:






إجراء 1 - أوقف بناء مستشفيات جديدة غير ضرورية. وجدول استكمال المشروعات تحت التنفيذ




إجراء 2 - انقل تبعية المستشفيات القائمة إلى هيئات صحية بدلا من التبعية لوزارة الصحة




إجراء 3 - توسع في تطبيق استرداد التكاليف في المستشفيات الحكومية أيا كانت تبعيتها

(استرداد التكاليف يعني تحمل المريض لتكلفة علاجه بالمستشفى ، وهو ما بدأ تطبيقه منذ سنوات في عدد كبير من مستشفيات الوزارة)


إجراء 4 - اسمح للممارسين العلاجييين من القطاع الخاص باستخدام مستشفيات الوزارة

( مطبق منذ فترة، باستخدام نظام التعاقد )


إجراء 5 -اسمح بإدارة وتشغيل مستشفيات الوزارة ذاتيا

( لا أعتقد أنه قد نفذ حتى الآن. لست متأكدا. لكن ما يتردد أنه في طريقه للتنفيذ)


إجراء 6 - أدخل مؤشرات قياس الكفاءة ( إنتاجية السرير - تكلفة علاج المريض...)

(مؤشرات قياس الكفاءة، ومعايير الجودة هي الكلمة السحرية التي تنال اهتماما كبيرا بالوزارة منذ حوالي عام )


إجراء 7 - موضوع استرداد التكاليف في وحدات الرعاية الصحية الأولية : مطروح للحوار








ركيزة 2 - عزز دور الوزارة في تقديم الخدمة. وارفع الحصة التمويلية النسبية للوقاية. والرعاية الصحية الأولية ، من موازنة الوزارة:






إجراء 1 - وظف الآلية التحليلية التي تستهدف "أعلى مردود بأقل تكلفة"، لتحقيق حزمة الانتفاع الأساسية لكل مواطن التي تساندها الوزارة ( الرعاية الصحية الأولية+ الوقاية)




إجراء2 - ساند وعزز برامج رعاية الأمومة والطفولة

(تم تطبيقه)


إجراء 3 - وفر الحوافز الملائمة لمقدمي : الرعاية الصحية الأولية، والوقاية، وطب الأسرة

( تم تطبيقه، إذ ينال معظم العاملين بهذه القطاعات حوافز مرتفعة مقارنة بالعاملين بقطاعات أخرى بالوزارة)


إجراء 4- داوم على تقديم الرعاية العلاجية الضرورية بربطها مع حزمة الانتفاع الأساسية



إجراء 5 - تأكد دائما من كفاية الموارد المخصصة للوحدة من الموازنة الجارية ( باب 1،2)








ركيزة 3 - إصلاح سياسات التعامل مع القوى البشرية بوزارة الصحة:






إجراء1- لا وظائف مضمونة. أنقص عدد الأفراد الحالي.





إجراء 2- جهز كتيبا إرشاديا لإعادة توزيع القوى البشرية طبقا للاحتياجات





إجراء 3- جهز نظام لحفز الأفراد بالمناطق النائية والمناطق التي لا ترغب العمالة في التوجه إليها



(طبق منذ العام 2006، مع زيادة كبيرة في حوافز الأطباء في المناطق النائية)







ركيزة 4 - تنمية قدرات الوزارة على تقدير الاحتياجات الصحية للمستوى القومي والتخطيط القطاعي الاستراتيجي وتنمية وضع السياسات الصحية:






إجراء 1- تبنى أنظمة المعلومات الصحية على المستوى القومي بما فيها نظام المعلومات الجغرافية GIS اللازم لأغراض التخطيط واتخاذ القرارات.





إجراء 2- حدد الأولويات لتوزيع موارد وزارة الصحة على أساس الاحتياجات طبقا لمؤشرات الوضع الصحي الراهن.





إجراء 3 - قيام الوزارة بتخليق نظم لحفز مقدمي الخدمة في القطاع الخاص. للعمل في المناطق النائية والمناطق متدنية الخدمة.





إجراء 4 - توجيه الدعم الحكومي إلى مستحقيه من الفقراء ومحدودي الدخل.

( بخلاف مقدمي الرعاية الصحية الأولية، فإن بعض المستشفيات تقدم خدمة مجانية لمن تنطبق عليهم شروط معينة - بعد إجراء دراسة اجتماعية- مثل المشتركين في معاش مبارك أو السادات، أسر المجندين، يتيم أقل من 18 سنة بدون عائل...الخ(


إجراء 5- وظف الآلية التحليلية التي تستهدف "أعلى مردود بأقل تكلفة" لتحديد الخدمات الصحية الأساسية الضرورية لكل مواطن.








ركيزة 5 - تنمية دور وزارة الصحة في وضع الأسس والقواعد الخاصة بالممارسة الصحية والخاصة بالترخيص والاعتماد ، وتأكيد الجودة:




إجراء 1 - تخليق وتنمية وتبني المستوى القومي لمعايير ولمعدلات الممارسة الصحية ونظم الترخيص والاعتماد للوحدات




إجراء 2- استند لسياسة التعليم الطبي المستمر وتجديد تراخيص الممارسة الصحية على فترات



2- البرنامج القومي للتأمين الصحي الاجتماعي:





ركيزة 1- أكد حيوية هيئة التأمين الصحي:


إجراء 1- لا تضف مجموعات منتفعين جديدة إلى الهيئة قبل التصحيح



إجراء 2- عالج النقائص الموجودة حاليا بالهيئة


إجراء 3 - قلل نسبة التكاليف الدوائية



إجراء 4 - وحد القوانين الحالية في تشريع واحد


إجراء 5- غير الإطار والنظام القانوني الحالي للهيئة، لتعزيز القدرة على إدارة الذاتية



إجراء 6 - حدد اشتراكات المنتفعين على أساس التكلفة الفعلية مع توظيف الإسهامات


إجراء 7- حدد وتبن حزم انتفاع صحية ملائمة لقجرات المواطنين





ركيزة 2 - حول الهيئة إلى جهاز تمويلي:




إجراء 1- توقف عن إنشاء مستشفيات تأمينية جديدة


إجراء 2 - جدول بيع أو نقل وحدات تقديم الخدمة الحالية ( المستشفيات ، الوحدات المجمعة، العيادات) إلى القطاع الخاص أو إلى منظمات القطاع العام الاقتصادية ( وحدات بأجر)


إجراء 3- خلق آليات للتعاقد مع جميع مقدمي الخدمات الصحية ومع مستشفيات الوزارة


إجراء 4- مكن المنتفعين بالخدمة من الاختيار من بيم مقدمي الخدمة الصحية





ركيزة 3 - وسع التغطية بخدمات التأمين الصحي الاجتماعي المعزز بآليات إدارية وتمويلية راقية:


إجراء 1- تخليق وتنمية صندوق صحي تمويلي تأميني قومي موحد للتغطية الشاملة


إجراء 2 - تخليق معدل لحزمة انتفاع صحية لكل مواطن


إجراء 3 - افصل تمويل الخدمة الصحية عن تقديمها



إجراء 4 - أكد قانونية التشغيل الذاتي والتدوير التمويلي للصندوق وللمخصصات التمويلية للوحدات





*المصدر: كتاب: تقرير عن المؤتمر العام الرابع: باتجاه التأمين الصحي الاجتماعي الشامل ، من اصدرارات جمعية التنمية الصحية والبيئية

الجمعة، أغسطس 24، 2007

التلصص



صنع الله إبراهيم - رواية - دار المستقبل العربي

هذا عمل جميل.
من أجمل ما قرأت لصنع الله إبراهيم.... ربما لأنه لم يكتب رواية تحوي شقا تأريخيا لأحداث سياسية كعادته، بل رواية/ رواية إن أمكننا القول؟ وربما لأنه كان يروي بصورة ما قصة طفولته؟

في القصة طفل يعيش مع والد عجوز أنجبه على كبر من زوجته الثانية صغيرة السن. للطفل أخ كبير متزوج قاطع والده لأنه تزوج شابة صغيرة أثناء مرض موت والدته، وأخت متزوجة.

تدور الأحداث في العام 48 وفي الخلفية حرب فلسطين واضرابات للممرضين وضباط الشرطة. فساد الملك وتفجيرات الإخوان واعتقالات الشيوعيين.

يعيش الطفل مع والده وحيدين حياة فقيرة معتمدين على معاش الأب في حجرة مؤجرة متشاركين الشقة مع مؤجرين آخرين.

تتعاطف فورا مع احتياج كل منهما للمرأة.

يفتقد الطفل حنان الأم ، ويفتقد الأب المرأة التي تؤنس وحشته وتقوم بدلا منه بالمهام المنزلية التي يقوم بهما دون نجاح كبير.

يحاول الأب مرات أن يتزوج أو أن يحصل على خادمة جيدة ولكن جهوده تتعثر.

يحاول الطفل أن يجد بديلا في ساكنة الحجرة المجاورة ويناديها "ماما تحية" ولكنها تغادر.

للطفل هواية طفولية تقليدية هي التلصص. يتسلل إلى الغرف الخالية ليطالع محتوياتها ويقلب محتويات الأدراج ويلصق عينيه وأذنيه بثقب المفتاح ، ويكتشف من خلال ذلك التفاصيل المرتبطة بالشخصيات الأخرى.


يتذكر الطفل أحداثا قديمة كتبت بخط سميك. في كل لحظة بؤس ووحدة وافتقاد للأم ، يتذكر الطفل لحظات السعادة القليلة في ذكرياته عن أوقات أسرته المثالية. وشيئا فشيئا نكتشف عبر الذكريات كيف انتهت به الأمور هو ووالده إلى الوحدة.

استخدم صنع الله في أعمال سابقة هذا التكنيك ، ومنها عمله الأول تلك الرائحة. والذي ضم رواية قصيرة بنفس العنوان تلته مجموعة من القصص القصيرة. لكن ليست هذه هي الصلة الوحيدة بين عمليه الأول والأخير .

في رواية تلك الرائحة وبعض القصص القصيرة التي تلتها ، وفي كتاب يوميات الواحات ، ما يبدو لي كقطع بازل وضعها صنع الله في مكانها أخيرا بقصه قصة طفولته كاملة - مع تعديل روائي بالطبع- في التلصص. في تلك الرائحة نرى اليساري الشاب الخارج من المعتقل بعد اصطدام ناصر مع الشيوعيين ثم إفراجه عنهم، نراه يعيش وحيدا ، ونرى علاقاته المتوترة مع أخت غير شقيقة ونرى جدة له من جهة والدته لا تكاد تذكره .

وفي القصص القصيرة قصة عن أب يعيش وحيدا مع طفلين ويستيقظ ليختبأ معهما في السندرة حتى تنتهي الغارة. وهذا المشهد موجود بالضبط مع تعديل بسيط في الرواية: مشهد غارة أثناء حرب 48. وهناك قصة قصيرة أخرى عن ذهابه لمحكمة شرعية حيث يقابل جدته ووالدته التي تتجاهله ويعود لوالده الذي يسأله عن والدته متلهف

في مقدمة يوميات الواحات ( وهي اليوميات التي كتبها أثناء تواجده في معتقل الواحات أوائل الستينات بتهمة الانضمام لتنظيم يساري) يمر مرورا سريعا على طفولته بذكره -دون تفاصيل- معيشته مع والده هو وشقيقته الصغرى ووصفه لشخصية والده، إضافة لجزء من رسالة لشقيقته في وسط اليوميات تحدثه عن أنها تعرف كيف تعب والده لكي يحتفظ بهما ، وجملة وسط اليوميات عن تذكره جو منزل "ماما تحية"، إضافة إلى حضور ضبابي لشخص باسم "خليل بيه" بين الوجود الحقيقي وبين كونه شخصية في عمل أدبي.

تستطيع أن تضع قطع الأحجية هذه في مكانها بعد قراءة الرواية.

لا يمكنك إلا أن تتعاطف مع وحشة الأب. إهانة الفقر. حب الأب لابنه. تعلق الطفل بأبيه وارتباط كل عالمه به. معاملة قاسية خفية من الأخت لأخيها غير الشقيق.

أثناء القراءة، كثيرا ما توقفت لأن المشاعر القوية التي تبعثها الرواية تغلبت علي - كمشهد إخبار الأب لصديقه عن مشاعره تجاه طفله وزوجته والدة الطفل، بينما الطفل متظاهر بالنوم- ولأمنح نفسي فرصة للتفكير في نفسي وعن الطفولة والوحدة.

أدرك أنني افترضت تطابقا بين طفل التلصص وبين الطفل صنع الله ، وهو غير منطقي لأنها عمل روائي، ولكن لأن الإشارات المتناثرة تشير إلى تجربة واحدة استقى الكاتب منها أول وآخر عمل له ،و لوضوح رسمه لصورة الأب على صورة والده *، أفترض أن صنع الله قدم صورة لطفولته مع بعض التعديلات الروائية. قد يكون مدى تلك التعديلات كبيرا وقد يكون قليلا. لا يمكنني أن أعرف، ولكنني لم أتمكن من تجاهل شعوري بالصدق أثناء قراءتي الرواية.

ربما لم يرسم صنع الله والده -الافتراضي- في صورة الأب المحتفظة بقدسيتها مخفيا لحظات ضعفه، ولكن ذلك جعل والده أكثر انسانية ، وكان آخر ما قاله هو أنه رغم كل ما حدث فهو يحب والده.

شعرت بالحزن وأنا أقول لصديق أنني أشعر أن هذا هو عمل صنع الله الأخير ، وأنه قد أغلق الدائرة التي وضع نقطتها الأولى في أول اعماله، وأنه قال ما لديه. قال صنع الله في لقاء صحفي قديم أنه أراد أن يكتب كل ما يعرف في روايته شرف - ذات المحتوى السياسي التوثيقي الكبير- لأنه كان مريضا وقت كتابتها وخشي أن يموت قبل أن يقول ما لديه، أعتقد أن هذا ينطبق أكثر على التلصص.

يمكن أن تكون هذه الرواية فيلما جميلا....

* في مقدمة كتابه يوميات الواحات ، يحكي صنع الله عن والده وصفاته التي تأثر ببعضها وتمرد على بعضها في سياق قصه للأسباب التي دفعت به إلى معتقل الواحات
مصدر الصورة

الأربعاء، أغسطس 22، 2007

راني حُبَيبات

صحيح أن طعم المواد الحافظة يكاد يطغى على طعم البرتقال ، وأن الحبيبات تبدو كبرتقال لم يتم تصفيته بعد عصره، فإن الخليط في النهاية لا بأس به.