الثلاثاء، نوفمبر 22، 2005

البلطجة هي الحل

الثامنة صباحا يرن المنبه. أطفئه و أحاول أن أنام دقائق اضافية. في الخلفية أصوات الميكروفونات تصرخ بالدعاية الانتخابية. أستيقظ و أتحدث مع محمود توفيق. نتفق على التقابل. يحدثني صديق صحفي و يخبرني أنه سمع بوجود " قلق" في الجمرك أمام باب عشرة. أخبره أنني سأقابله هناك. أتوجه مبكرا لمقر انتخابي و أتجاهل موزعي أوراق الدعاية ( وطني و مستقلين و شابان من الاخوان . سيكتسح البلطجية ما هو أمام هذه اللجنة بعد ساعات ). أدخل رأسا إلى لجنتي و أقدم لرئيس اللجنة بطاقتي الشخصية و الانتخابية. يتعامل معي بسماجة غير مبررة. ألاحظ أن كل الاجراءات صحيحة فلا أهتم بسماجته. أدلي بصوتي خلف الستار و أثني الورقة و أضعها في الصندوق الشفاف و أستعيد بطاقتي. كل اللجان مغمورة بمناصري مرشح الوطني. أقلق و لكن أتذكر ما قاله أحد الأهالي يوما لعادل عيد مرشح الجبهة أثناء جولة انتخابية : " و لا يهمك من كل الدوشة دي يا أستاذ ، اللي في القلب ، في القلب" . في محل بينما أشتري سجائر ، كان عصام العريان يتحدث في التلفزيون و تحته خبر عن اعتقال 300 من الاخوان. أغادر لأصطحب محمود و نتجه إلى الجمرك. ننزل أمام باب عشرة ، لجنة بالشركة المصرية للملاحة البحرية. زحام و تجمهر أمام الباب . و بجوار باب الشركة شادر يحمل اسم المحاسب أحمد عزت مرشح الوطني عمال رمز الجمل. تتضح الرؤية شيئا فشيئا : صف من الرجال يمنعون أي شخص من الدخول بينما يقف أمامهم - بعد مسافة مناسبة- مجموعة من مناصري المرشحين ( خاصة الاخوان المسلمين) في بؤس و عجز. فجأة ألمح سكينا مهولة الحجم في يد أحد الواقفين على الباب. أصاب بصدمة " ايه الفُجر ده!". على بعد أمتار من اللجنة تتوقف الميكروباصات حاملة السيدات ليُقَدن عبر شادر أحمد عزت و خلال صف البلطجية. بسبب صفة محمود الصحفية و كوننا من غير ناخبي الجمرك ، نستطيع الدخول عبر صف البلطجية و نصعد لمقابلة رئيس اللجنة. وكيل مرشح مستقل يصرخ و هو يقول لرئيس اللجنة عما يحدث ، فيرد عليه في عنف : اتكلم بصوت واطي. انت عارف القانون ، أنا حدود سلطاتي المقر الانتخابي. يقول الوكيل: يا باشا أنا بستنجد بيك. فيرد رئيس اللجنة في غضب : مش سلطتي ، روح لرئيس اللجنة العليا .

في الدور الأرضي و خلف البلطجية بنصف متر تقريبا يقف رجال الشرطة في هدوء و معهم رجال أمن الشركة. سألهم محمود عن دورهم فقال كل منهم أن حدوده هي اللجنة / الشركة على الترتيب. و هكذا وقفوا مسترخين على بعد أقل من متر من بلطجية مسلحين. بدأ عدد من الاخوان في التوافد و بدؤوا في تبادل الصراخ مع البلطجية طالبين السماح لهم بالدخول كما يسمح لحاملي بطاقات الوطني بالدخول. هددهم واحد من البلطجية " يللا امشوا من هنا لا تحصل مجزرة". أخرج عبر صف البلطجية بينما كان البلطجي حامل السكينة يسأل ناخبا : "ايه ، عايز ايه؟"
" أنتخب"
" مفيش انتخابات"
و آخر يقول :" متدخلش حد من الاسلام هو الحل"

ثم فتحوا اللجنة لوقت قصير و صاح البلطجية في تسامح أن اللجنة مفتوحة لمن يريد الدخول و لكن معظم الناخبين ممن شاهدوا الأسلحة البيضاء انصرفوا بالفعل. يعيدون الغلق بعد خمس دقائق.

أتلقى تليفونا من واحدة مصرية تخبرني فيها بحادثة بلطجة في عبد السلام عارف - باب شرق. فجأة يتعالى الضجيج فيرفع كل البلطجية الواقفين على الباب أسلحتهم : الأسلحة البيضاء و الشوم. يركض الواقفون بعيدا . يسرع شابان من الإخوان إلى عربة نصف نقل و يحملان عصيا خشبية بائسة تستخدم لرفع أوراق الدعاية. وقفوا على مسافة آمنة من البلطجية رافعين العصي الخشبية. تعاطفت معهم بشدة ، إذ بدوا ضعفاء لا يقنعون أحدا بامتلاكهم قوة مماثلة لمجموعة من البلطجية المسلحين أو حتى قوة كافية للدفاع عن أنفسهم ، و لكنهم ثبتوا في موقعهم طيلة الوقت. هدأ الموقف و أنزل البلطجية أسلحتهم و إن أبقوا باب اللجنة مغلقا في وجه أي شخص من غير ناخبي أحمد عزت.

يصل صديقي الصحفي و معه صحفي آحر. يحكي لي أنه بعد أن أدلى بصوته في المندرة و خرج من اللجنة ، شاهد عربات تحمل رجالا مسلحين بسيوف يرفعونها في الهواء تدور في المنطقة. اتصل على الفور بقريب له من الاخوان يقف عند احدى اللجان محذرا اياه من البلطجية القادمين و طالبا منه الانصراف. فرد الآخر مؤكدا الثبات على المبدأ و الموقف. اتصل به بعد قليل ففتح الموبايل نتيجة التدافع و سمع هو صوت صراخ و سباب و تدافع و عويل. لم يصب قريبه بأذى و الحمد لله. يشير الصحفي الآخر إلى لافتة متعدد المواهب أحمد عزت . كتب عليها أنه إمام و خطيب . هو إذن محاسب و عامل " أسقط القضاء الإداري عنه الصفة منذ أيام ، و لكنه طعن أمام محكمة غير مختصة" و إمام و خطيب و عضو بالحزب الوطني الديموقراطي و مستخدم للبلطجية و راشي ( كما سأكتشف لاحقا). بارك الله فيه.

بينما نقف يتصل بالصحفي محام صديق يراقب الانتخابات في المندرة و يخبره أن عربته حطمت و سرق المسجل. نقابل مراقبتين و صحفيا أجنبيا و نتبادل المعلومات . شاهدت المراقبة شابا من الإخوان مصابا بجروح في وجهه و ذراعه في مدرسة برأس التين. يتطوع الواقفون من الاخوان بإخبارنا أن الأوضاع أسوء في مدرسة أحمد عبود في بحري. شيئا فشيئا أحس أن الأمر يبدو منتشرا و متسعا بصورة تتجاوز الحالات الفردية إلى السياسة العامة. نقرر الذهاب إلى نقابة المحامين بمبنى الحقانية ، حيث غرفة عمليات لجنة المراقبة التابعة لنقابة المحامين.

نشاط متواصل داخل المكتب ، يتلقى المحامون الموجودون اتصالات و يقومون بأخرى مع المحامين القائمين بعملية المراقبة. نستمع لأنواع التجاوزات منهم : شراء أصوات ، موقف سلبي للأمن ، بلطجية بأدوات ترهب الناخبين ، عدد كبير من الاصابات ، قيد جماعي ، استحداث لجان غير قانونية . و نستمع لتفاصيل بعض الحالات : اشتباكات بين البلطجية و ناخبي الاخوان و الأمن يتدخل بالقاء قنابل مسيلة للدموع في الرمل على ناخبي الإخوان عند مجمع المدارس و اغلاق اللجنة . مرشح الوطني يقوم بشراء أصوات واسع النطاق في مينا البصل. هجوم للبلطجية على مدرسة عبد السلام عارف - باب شرق : رجال و نساء محملون في عربات يهاجمون مناصري الإخوان على باب اللجنة فيقوم الأمن بداخل المدرسة بإغلاق الباب . بعض أهالي المنتزه يتظاهرون ضد مرشح الوطني عبد اللاه احتجاجا على استخدام البلطجة و يهتفون " لا إله إلا الله ، عبد اللاه عدو الله". و تقارير أولية عن عنف في كرموز. مقتل سائق المرشح المستقل - وطني حسن حسين بالجمرك.

نغادر و نبدأ في التفكير . الخيارات أمامنا : مينا البصل ، كرموز ، المنتزه ، الرمل.
يغادر الصحفيان إلى مينا البصل ، و أتلقى اتصالا من هيثم ، يقول أنه مع صحفي أمريكي يدعى سكوت . نتقابل أمام المحكمة . يقول هيثم أن أحد البلطجية اعترف له باسم ضابط قام بتوزيع الأسلحة البيضاء عليهم ، لأنه متعاطف مع الاخوان " الناس بتوع ربنا المظلومين" . نتفق أن نذهب إلى كرموز بعد أن نمر على لجان أخرى في الجمرك. نمر على لجنة الشركة أمام باب عشرة مرة أخرى. كان الوضع لا زال كما هو عليه ، و لكن جاءت امدادات اخوانية متمثلة في سيارة بميكروفون تقود الهتاف مشكلة مظاهرة احتجاج صغيرة ، بينما يواصل البلطجية اغلاق اللجنة في لا مبالاة. ألمح شخصا يهمس في أذن هيثم . ننصرف فيقول هيثم أنه أخبره بمكان مقهى يبيعون فيه الأصوات : مقهى مسعد رومة بحارة اليهود.


ننحرف إلى شارع جانبي و منه إلى حارة ضيقة حيث يواجهنا تجمع كبير من المواطنين. على اليمين مجموعة من الطاولات بها كشوف انتخابية حيث يتأكد الجالسون خلف الطاولات من تسجيل المواطن بالكشف و يعطونه ورقة مماثلة للصورة مسجل بها رقم لجنته و رقم قيده،
ليعبر بها على ما يبدو من صف البلطجية. و يصعد إلى اللجنة ليدلي بصوته للمركب و الجمل.

يعود لهم و يبرز لهم اصبعه الملوث بالحبر الفوسفوري ليدخل داخل المقهى مغلق الباب. يسمع هيثم من يقول لآخر : " انتخبت؟ طب يللا ادخل جوة خد المية جنيه". نقف بالقرب من باب المقهى المغلق. " انتم مصريين؟" . " انتم مين؟" . يتوترون و يفتحون الباب بسرعة ليخرج شخص واحد ثم يعيدون غلقه بسرعة . نحاول التلصص أو الدخول فنفشل. أشاهد سيدة تخرج سعيدة من الداخل و يدها مقبوضة بقوة ، ثم تدسها في حقيبتها. يخرج مواطن منتش. يتواصل دخول المتوترين و خروج المنتشين. يأتي النموذج المميز الذي يبعث فيَّ الغثيان كل مرة : من يلعبون بثقافتهم النسبية دور السمسار أو منظم حركة القطيع. يأتي اثنان من الأفندية : " و خير يا جماعة ؟ في حاجة؟" يقول محمود " انا عايز أدخل القهوة" يرد أحدهما :
" أصل القهوة للعاملين بالقهوة بس"
" بص ، انت عارف و أنا عارف ايه اللي بيحصل هنا ، و ده مش حاجة مزبوطة"
" طب تعالى اقعد الأول ، هات كرسي يا واد"
نجلس جانبا و يبدأ أحدهما في الحديث : " اوعى تفتكروا حاجة يعني ، انا معايا بكالريوس تجارة و هوا معاه ليسانس حقوق. و الناس دي من المنطقة أمية و هما جيرانا و اهالينا، و احنا بنساعدهم يعرفوا أماكن اللجان ، بس قولولنا الأول انتوا مين؟"
" صحافة"
" ممكن الكارنيه؟"
" انت بصفتك ايه تطلب الكارنيه ؟ طلعلي كارنيهك انت بقى"
ابتسامة لزجة و " طيب و أنا مش مضطر أرد"
" بص ريح نفسك ، احنا جايين نغطي الانتخابات و نقول انها نزيهة و زي الفل و ده اللي شفناه قدامنا هنا ، مش كده برضه؟"

هيثم و سكوت يقفان في الشارع . ازداد عدد الواقفين حولهما . يقول رجل لهيثم : "انت تجمع ، صح؟ تبع جلال أحمد ، طيب انا بقى وطني" يصفق و يرفع صوته : " وطني ، وطني". يبدو على هيثم التعجب لأنه لم يقل أنه من حزب التجمع. أحاول ان أدفعه للحركة و الانصراف بسرعة لأنني بدأت أشعر بالقلق. يظهر رجل ضخم و يصيح بصوت غليظ : " يللا يا كابتن انت و هوا انجروا من هنا ، لندور فيكم الضرب". نبدأ في مغادرة الحارة. فيصرخ الرجل مشيعا إيانا بالسباب : " يا شيوعي يا ابن الوسخة! شوف عاملين زي اليهود ازاي! يا يهودي يا ابن الوسخة ! يا شيوعي يا ابن الوسخة ! يا يهودي يا ابن الوسخة!"

نواصل المشي دون أن ننظر إلى الوراء ، و أنا أدرك أنه ليس بإمكاني أن أفعل شيئا. أتذكر شعور المشي مشيعا بالسباب من يوم آخر. يبدو أن أحد الشباب أخذته النخوة و الحماس من تحريض الرجل ففوجئت به يركض بجواري على الرصيف و يقفز في الهواء مادا ذراعه إلى أبعد ما يمكن و هاويا بها على قفا هيثم بكل قوته. يمسك الرجال الآخرين به و يمنعونه من مواصلة الضرب. كانوا يريدون طردنا دون مشاكل. يواصلون السباب و نغادر أخيرا دون أن نلتفت للخلف . أحاول أن أطيب خاطر هيثم ، و لكنه يبدو متحمسا و مصمما على استعادة حقه بتحرير محضر في القسم. بينما نمشي باتجاه قسم الجمرك أفكر أننا حاولنا التدخل في علاقة ثرية و غنية لتلاحم قوى الشعب : المرشح الراشي و السماسرة و المواطنون المرتشون ، أصحاب القهوة و البلطجية أمام اللجنة و الأمن الذي لا يتدخل. كلهم يتعاونون في علاقة نادرة ، و نحاول نحن أن نعكر صفو هذه العلاقة و نتطفل على خصوصيتها؟ في قسم الجمرك ندخل إلى مكتب نائب المأمور ، و يحكي هيثم للضابط الجالس ما حدث فيشير بيده لضابط أن حرر له محضرا عندما يسمع بالضرب ، و عندما سمع بموضوع شراء الأصوات قال في استهانة : " و فيها ايه؟ خللي الناس تنبسط ! و بعدين ما كل الناس بتقبض. انت كمان بتقبض ، كلكم بتقبضوا ، مش كده؟" ننصرف دون أن نرد لدواع مفهومة. عند مكتب استخراج البطاقات الانتخابية زحام مريع. " عشان ياخدوا زيت و صابون" كما يقول شاويش في تبسط. يحرر هيثم المحضر و نتأكد من خبر مقتل سائق المرشح حسن حسين.

أكمل لاحقا..

هناك 7 تعليقات:

Alaa يقول...

لسه مش مقتنع أن الاخوان أحسن من الوطني؟ ايه أخبار النتيجة في لجنتك؟

طائر الرخ الرياضي يقول...

حاجه تقرف

Eman M يقول...

محمد، طبعاً مش لاقية كلام يتقال للأسف
عندى سؤال من الأحداث اللى حصلت فى الإسكندرية، هل بدر من الإخوان أعمال بلطجة؟

أحمر يقول...

Do think it was a right decision of the left to participate in these elections?
I like your page. I hope we would be able to dialog because "el 7al min ba3do"
http://faragallah.blogspot.com

Best regards

ألِف يقول...

صباح الطوارئ اللي موجودة علشان الانضباط و الأمان!

و طبعا المغوار اختار الأقصر و الأنحف منكم علشان يستعرض عليه حميته!
زي الكلاب اللي ما تتشجعش إلا في جماعة.

و بمناسبة الإخوان أحسن من الوطني، ما تستعجلش يا علاء، دول لسة مطاردين و مقهورين.
حد شاف للقاء بين الإخوانجي اللي أنا مش فاكر اسمه و صلاح عيسى من يومين على الجزيرة أو العربية؟

عمرو عزت يقول...

انتظرت كلمتك عما يحدث

موجعة

Traveler يقول...

وانا كمان مش مقتنع أن الاخوان أحسن من الوطني؟ ايه أخبار النتيجة في لجنتك