حكاية محل
هناك بعض المحلات التي يبدو أن لعنة ما حلت بها جاعلة منها محلات خاسرة تدفع بملاكها إلى الإفلاس. خطرت على بالي هذه الفكرة وأنا أتأمل محلاً بجوار منزلي مر برحلة طويلة تعاقب فيها عليه الملاك والمستأجرون وتم فيها تغيير النشاط ونوعية السلع المعروضة مرات عديدة.
أول ذكرى عندي لهذا المحل تعود إلى طفولتي عندما كان محل خردواتي تقليدي أشتري منه بعض الالعاب البسيطة أو الحلويات، وفي مرة أردت شراء سيف بلاستيكي لعبة لأحمله أثناء أدائي لدور صغير في مسرحية مدرسية تاريخية( لا زلت أذكر العبارة الوحيدة التي كنت سأقولها والتي تدربت مراراً على قولها: أهذا جزائي أني أنقذتك من القتل!). ذهبت إلى البائع العجوز وطلبت منه بكل أدب سيفاً لعبة، لأفاجئ به ينفجر غاضبا كعادة العجائز نافذي الصبر. أخذ البائع يصيح لاعنا الأيام السوداء التي يعيشها، ويتحسر على الذي حدث للبلد وللناس حتى يأتي طفل ليطلب شراء سيف ، ويرتكب شاب جريمة فظيعة، متوقعا أن القيامة ستقوم قريبا داعيا الله أن يأخذه حتى لا يرى ما الذي سيحدث أكثر من ذلك. عجزت عن الرد طبعا وعدت إلى البيت حزينا، لأؤدي دوري في المسرحية ولأقول "أهذا جزائي أني أنقذتك من القتل" دون سيف أتمنطق به. كان حينا وقتها قد روع بجريمة قتل بشعة ارتكبها شاب ضد زوجة والده ، ويبدو ان البائع قد ربط بين الجريمة وبين ميول إجرامية عنيفة ظهرت في المجتمع حتى لتدفع طفلا بريئاً لطلب سيف للعب به. أحب أحياناً أن أفكر أن اللعنة التي أصابت ذلك المحل قد بدأت في تلك اللحظة التي صرخ فيها البائع في وجه ذلك الطفل كاسراً قلبه حارما إياه من متعة قول "أهذ جزائي أني أنقذتك من القتل" بطريقة مناسبة.
الذكرى التالية هي للمحل عندما أصبح محلاً لبيع شرائط الكاسيت، اشتريت منه شريط الفرحة لمحمد منير، وهو شريط رديء جداً على فكرة. بعدها بدأ المحل مرحلة التغيير السريع للأنشطة والملاك والمستأجرين، فقرر أن يجاري الموجة الرائجة في المحلات دون مخاطرة ليصبح محلاً لبيع الدباديب والتذكارات، لكن فشله على الرغم من نجاح أقرانه دفعه إلى أن يجرب أكثر مشروع مضمون لمحل في نفس وضعه وهو أن يبيع الموبايلات واكسسواراتها وكروت الشحن..الخ، لكن تلك المحاولة فشلت دافعة به إلى اكتئاب جسيم -فترة إغلاق- خرج منه بعزيمة قوية وببائع ملتح يبيع البخور والعطور والشرائط الدينية ، لكن التزام المحل الديني لم يكن كافيا للتغلب على النحس، فشل المشروع وأغلق لفترة، وعلى بعد خطوات منه جلس البائع الملتح يبيع بنجاح نفس بضاعته من العطور والبخور خلف طاولة صغيرة نصبها في مدخل عمارة ، ولا زال يواصل تجارته حتى اليوم. عجز المحل عن مواجهة هزيمته أمام مدخل العمارة وظل مغلقا لفترة طويلة، لكن حلاوة الروح جعلته يحاول التحول لمحل لبيع الأحذية ، فعندما مررت بجواره منذ شهرين وجدت بائعا يرص الأحذية في الفاترينة. لكن ككل حلاوة روح كانت مجرد ارتعاشات قلب يحتضر، فشل المشروع قبل أن يبدأ، فلم يتم افتتاح المحل كمحل أحذية واختفت الأحذية من الفاترينة، ولا يزال المحل مغلقاً حتى اليوم.
التسميات: أي كلام فاضي




