الخميس، مارس 03، 2005

أفكار...



أشاهد فيلم مذكرات دراجة نارية ، الذي يحكي قصة الرحلة التي قام بها طالب الطب الشاب ارنستو جيفارا مع صديق له في كافة انحاء أمريكا الجنوبية بادئين ببيونس ايرس في الأرجنتين...

لحظة التحول من جيفارا طالب الطب الذي يقوم بتلك الرحلة للمتعة و الاستكشاف ، الى جيفار الذي يصطف مع الضعفاء ، كانت عندما ترك حفلة عيد ميلاده وسط الطاقم الطبي ، ليعبر للضفة الاخرى من النهر التي تفصل المستشفى عن مستعمرة المجذومين...

لم يترك جيفارا بالضرورة جماعة من اللامبالين في تلك اللحظة... فقد كانوا أطباء و ممرضات و راهبات يديرون مستعمرة جذام و يبذلون قصارى جهدهم لعلاج المرضى... و لكنه ترك ما رآه - او ما رايته - كالحل الوسط ، و انتقل للاصطفاف الكامل مع المهمشين.... ترك التعامل الطبي التقليدي مع المرضى الى التواصل الانساني الحميم مع مرضاه....

حتى لو كان سيترك الطب كله لاحقا ، فان تلك اللحظة كانت الاكثر تأثيرا علي....

تعلمت الطب في وسط طبي مصري يكون فيه الطبيب " الطيب" هو من يبذل قصارى جهده - حسب الامكانيات المتاحة - من أجل المرضى و لا يفقد أعصابه رغم ضغط العمل عندما يسأله أحد اقرباء المرضى سؤالا غبيا.... أما الطبيب "العصبي" فهو من يوجه السباب لكل من يستفزه من مرضى و لكن يتحمله الجميع لمهارته الطبية... و الطبيب "السيئ" هو بالطبع من يرتكب أخطاء حمقاء نتيجة جهله أو اجماله....

لكن بتواصل جيفارا الانساني - المثالي نوعا ما - و بكوميدية روبين ويليامز الحمقاء - المستحيلة أيضا -في باتش آدامز ، ظل السؤال الرئيس الذي يواجهني ، و الذي واجهني به مباشرة أحد الكتب الطبية التي أقرأها هو : هل أنظر للمرضى باعتبارهم بشرا لا يزالوا؟ أم أن هناك فخا دائما منصوبا في الممارسة الطبية يضفي درجة من انعدام الانسانية على رؤية الطبيب لمرضاه؟

الاقتناع هو أن علاج المرضى بصورة صحيحة كاف ..... و لكن هل رأيت حتى الآن طبيبا مستعدا لتجاوز المألوف و التقليدي من أجل مرضاه؟ ... أتذكر بصعوبة كتابا قرأته منذ وقت طويل يحكي عن طبيب مصري من عشرينات القرن العشرين يشبه الملاك ....

عشرينات القرن الماضي... أيام العز.... الآن يتعامل الطبيب مع عشرات - ان لم يكن مئات - الحالات أسبوعيا ، و لا يملك ترف تضييع الوقت...؟

تلقيت اتصالا من والدتي تخبرني فيه بمرض والدي المفاجئ، أخذت أسألها بعصبية عن التفاصيل ، فسمعت نفس المصطلحات الطبية الباردة... التاريخ المرضي للحالة.... لم تكن باردة هذه المرة .... و كان للحالة وجه هذه المرة : وجه أبي.... شعرت بمزيج من الذعر الذي كاد أن يدفعني للتقيؤ ، و الغضب غير المبرر الذي أخذت في صبه على الاطباء المعالجين لوالدي.... و لولا أن طبيب والدي صديق للعائلة لصرخت في الهاتف بما كان يتردد في عقلي عندما سمعت بالعلاج الذي وصفه : " دكتور ايه و خرا ايه ، ايش فهم الحمار ده في اي حاجة؟" شاعرا بالرغبة في ضرب شخص ما .... مزقني العجز و البعد عن والدي الذي يقيم بعيدا عني.....

تذكرت طريقة تلخيص المرضى في عدد قصير من الجمل و ما كتب في ذلك الكتاب الطبي البريطاني في نقدها، و كيف أنني قراته و تثاءبت و قلت : political coorectness

"مريضة أنثى ، 56 عام ، تشحم بالكبد ، قيئ دموي أمس للمرة الأولى ، الضغط غير مسجل ، فقدت الوعي منذ 4 ساعات"
"مريض ذكر ، 68 عام ، بول سكري ، انسولين 30/20 ، ذبحة صدرية منذ ثلاث سنوات ، تكررت مرتين ، نيتروجلسرين تحت اللسان ، ذبحة اقوى ، فقد الوعي ، رسم القلب :/ احتشاء ، لا يوجد علامات فشل قلب"
"طفلة 12 عاما ، شلل رخو حاد اليوم ، حمى بالأمس ، تلقت التطعيمات "

" نقوم بهذه الفذلكة الطبية ، استخدام تلك المصطلحات الطبية ، لنعقم و نروض لقاءاتنا وجها لوجه مع المريض ، لنكون أقدر على تحملها ، لنتمكن من التفكير في المريض عوضا عن الشعور بالمريض.... و هذا امر مناسب و صحيح ، و لكن فقط ، في بعض الحالات .... عادة ما يريد مرضانا التعاطف ... و هذه الاصطلاحية الطبية تقوم بعزلنا عن التجارب التي قد لا نتمكن من تحملها . نحتاج -كاطباء - الى الوهم القائل باننا نخطو في مساحات معروفة كلية بالنسبة لنا عندما نصف آلام شخص آخر..."
" نبرة أصواتنا ، المصطلحات الخاصة ، تجاهل الترتيب التقليدي للجمل ، يضمن أننا نظل على السطح طافين.... بعيدا عن تموجات حيوات مرضانا..."


* الصورة من فيلم مذكرات دراجة نارية ، ارنستو يغادر مستعمرة جذام سان بابلو في بيرو و يودعه المرضى و الراهبات.

هناك 4 تعليقات:

Lone Wolf يقول...

دي اكتر حاجة قريتها و حسيت بوهجك الانساني فيها

لا بأس من شيء خارج نظاق السياسة من فترة لاخري,ليس بالضرورة ان يكون شخصيا,

Shurouq يقول...

Mohammed,
Don't beat yourself up over this

كلنا نتعصب إذا كان المريض عزيزا وجاءنا التقرير الطبي خاليا من العواطف الإنسانية.. ولكن شخصيا، أعتقد ان الغضب الذي يصب في الغالب على الطبيب المسئول يكون غضبا على المرض ومنه، يعني الطبيب يصبح
Punching Bag

الطبيب ليس ملاكا، وليس المطلوب منه ان يكون ملاكا

rayhane najib يقول...

سلام
إنه فعلا فيلم جميل بالاضافة الي اهمية الموضوع وطريقة حكيه فإن الموسيقي كانت ذات جمالية كبيرة فكان عاديا ان تفوز اغنية الفيلم بأوسكار احسن اغنية في حفل الاسبوع الماضي

jameed يقول...

فلم جميل جداً. القصة بحد ذاتها يجب أن تكون عبرة و حافز لشباب اليوم لكن "الله يلعن" النمط الاستهلاكي الذي يجعل الكل الشخص يركض وراء ال iPod و غيره.
أما بالنسبة للطب، فبحكم دراستي للصيدلة و عمل والدي كطبيب أسنان فقد سمعت دوماً بالأطباء "التجار" و رأيت بعضأً من أعمالهم (الفنية) لكنني لم أحس بهذا بالشكل المطلوب إلا عند أول زيارة لطبيب الأسنان هنا في الولايات المتحدة؛ فالطبيب الكريم عنده أربع مرضى في غرف منفصلة فيقوم بإعطاء المريض الأول البنج ثم الُاني فالثالث والرابع، بعدها يعود للمريض الأول ويقوم بحفر أحد الأسنان ثم المريض الثاني وهكذا ليعود للأول و يقوم بحشو سنه و تستمر العملية والمرضى مسلقون على ظهورهم يتابعون Lord of The Rings على شاشات التفاز المثبتة بالسقف! أما الفاتورة فكانت 960 دولار لحشو سن واحد احتاج لنزع عصبه (root canal) بعد سنة.