الاصلاح و سنينه...
كلامي اليوم سيكون طويلا و مملا لأبعد درجة ، و هو كلام أحمله في داخلي منذ فترة لا بأس بها... ربما منذ ما يزيد على العام.... و قد بقي هذا الموضوع على قائمة مسوداتي في بلوجر لمدة تتجاوز الأربعة شهور...و شهرا آخر بعد أن أنهيت كتابته مفضلا عرضه على عدد من الأصدقاء قبل نشره ، منهم من قال انه "مش بطال" و منهم من كرهه و طلب مني أن لا أنشره و اليوم حسمت ترددي..
*******
أحاول بصعوبة أن أركز أفكاري لأتخلص من كل هذا الكلام مرة واحدة و للأبد....
جهزت "عدة" الكتابة ، علبة السجائر و مطفأة و ولاعة و موسيقى...
لا يوجد من هو اكثر مني من يصاب بالغيظ عندما أسمع بحديث الأمريكيين عن الاصلاح و "دمقرطة" العالم العربي بالسلاح أو غيره ... أو عندما أقرء تفاخر الكتاب الغربيين بفشل العالم العربي و حاجته الى الرجل الأبيض في تشف و اذلال...
و لكن مع ذلك ، فقد كانت لحظة سقوط النظام العراقي لحظة فارقة... بالنسبة لعدد لا بأس به من العرب...
ليست لحظة تاريخية بالصورة التي يصفها بها بوش ... ربما كانت نوعا من صدمة مواجهة النفس بحقائق الأشياء... ربما كانت صدمة أننا نحمل بين ظهرانينا الكثير ممن كفروا بتلك الدولة التي ظننا انها موضع اجماع....
قبل الحرب على العراق ربما كانت الأمور أبسط و أسهل... نحن في مواجهة اسرائيل و حليفتها أمريكا ... و لكن ، جاء الأمريكيون ليحملوا واقعنا السيئ و يفردوه أمام وجوهنا و يقولوا أنتم شعوب متخلفة تستحقون ما نفعله بكم...
دافعنا عن أنفسنا : الظروف... المجتمع... الغرب ساند الحكومات الديكتاتورية... سلم التطور... الحقائق... التاريخ.... انتم منافقون... ليس لكم الحق... ليس لكم مصداقية... ساندتم بينوشيه و أسقطتم مصدق...
تثاءبوا في ملل و قالوا أن هذا هو الوقت... هل يمكنكم التحسن خلال ... امممم... خمس دقائق؟ لا؟ اذن تنحوا أيها البدائيون و اتركوا المكان لنا لأننا لن نقبل بكم على هذه الصورة و لأننا - على فكرة - نملك أيضا القوة المطلقة....
لنعد الى الأيام الأخيرة للنظام العراقي...
كنا نحن العرب "نشجع" في مباراة حربية متلفزة العراق بالطبع ... لا ، ليس بالضبط لأننا نحب الديكتاتور العراقي أو لأننا نحب الديكتاتورية لاننا مازوشيين ، و لكن لأننا رفضنا أمريكا بصورة مطلقة و رفضنا سياساتها الخارجية و لم نثق بها و لم تتمتع لدينا بمصداقية و لم نثق في أكاذيبها الخائبة و تبريراتها فضلا عن أن الامر بدا لنا في غاية الوقاحة عندما قالوا أنهم جاؤوا لصالح العراقيين ... لا بأس.... كلا ، لن أتراجع عن موقفي الآن بأثر رجعي ، و بعد أن حدث كل ما حدث ، و لن أعتذر عن موقفي و لا عن مشاركتي في تظاهرات ضد الحرب ، و لو عاد الزمان بي فسأكون ما زلت معارضا لتلك الحرب...
الأمريكيون يتقدمون .. العراقيون يخسرون....
ظهر السؤال ... الهام نوعا ما....
أين سيقف الشعب العراقي ؟
سأستعين في هذا المقال بعدد من مقالات الكاتب المصري المعروف فهمي هويدي باعتبارها قريبة من رأي الشارع العربي
في 8 ابريل ، قبل يوم واحد من سقوط النظام العراقي و اسقاط التمثال في ساحة الفردوس ، كتب فهمي هويدي مقالا في الأهرام بعنوان النصر و الهزيمة قال فيه أن الشعب العراقي اختار الوطن غاضا النظر عن عذابات الداخل ..... فعندما ووجه بعدوان خارجي ، اختار الشعب الانحياز للداخل... للدولة الوطنية ....
"لم ينتبه الغزاة الذين خططوا للحرب إلي أن كثافة الضربة الأولي أيقظت الحس الوطني لدي الجماهير, التي أدركت أن الوطن في خطر, وليس النظام القائم وحده, وهو ما أدي علي الفور إلي تراجع أحزان الداخل وعذاباته خطوة إلي الوراء, بحيث احتلت المقدمة فكرة الاحتشاد والاستنفار لصد خط الغزو القادم من الخارج. وفي اللحظة التي استنفر الضمير الوطني خسر الغزاة رهانهم علي انهيار الداخل, ودخلت الحرب منعطفا آخر لم يكن في الحسبان"
في 9 ابريل ، سقط النظام و رأينا العراقيين يحتفلون.....
جاءت مرحلة الصدمة عند الجماهير العربية عندما فوجئوا بالطريقة التي انتهى بها كل شيئ ، و غرقوا في الاحباط : " العرب مهزومون دائما ... ، مهما كانت قضيتهم عادلة... خسرنا فلسطين في 1948 ثم في 1967 ، و الآن العراق... نحن مجموعة من الفاشلين..." ( عن مقال لناتاشا طوال عن المشاعر العربية بعد سقوط بغداد)
شاهدت بعد أيام قليلة من سقوط بغداد الكاتب المصري اليساري صلاح عيسى على قناة دريم الفضائية يقول أن الديكتاتورية تؤدي الى الاحتلال ، الاستبداد لا بد أن يؤدي الى الاحتلال... الاستبداد يقتل معنى الوطن....
و تلى ذلك رؤيتي على القناة ذاتها لابراهيم عيسى ذي الحس الساخر و هو يقف و يرفع يده ثم يسقط نفسه على المكتب و يقول أن هذه هي الطريقة الوحيدة لرحيل أي حاكم عربي....
حيرة و احباط.....
ما العمل ؟
في رواية شهيرة لروائي شاب ( أن تكون عباس العبد لاحمد العايدي ) تحدث البطل ساخرا عن المحتل الخارجي و المحتل الداخلي..
و تكونت نظرة متشائمة ساخرة تقول أن الخيار هو بين المحتل الاجنبي و المحتل الوطني...
كتب فهمي هويدي ساعتها مقالا يعبر عن هذه الحيرة ، قائلا أن المخرج من مأزق الديكتاتورية/الاحتلال الأجنبي يكون بتواصل الحكام مع شعوبهم ، داعيا اياهم الى الاستقواء بشعوبهم ضد عدوهم الاجنبي المشترك ، عن طريق منحهم حقوقا حقيقية و تحريك الحالة السياسية الراكدة....
و لكن طريق استجداء الحكام العرب بدا مسدودا ، اذ كانت لدى هؤلاء أجندة محتلفة...
يالبؤس الخيار اذن : ديكتاتورية او احتلال أجنبي ؟
أليس هناك طريق ما ، طريق ثالث؟ و على أي صورة يكون هذا الطريق ؟
بدأ المستشار طارق البشري في كتابة عدد من المقالات عن تكوين حركات معارضة شعبية سلمية تتخذ العصيان المدني سبيلا و تحرك الماء الآسن لتنتزع الوطن من أيدي الحكومات الديكتاتورية و تعيده الى أبنائه...
ستكون هذه المقالات لاحقا نواة لتكوين حركة المعارضة التي بشر بها طارق البشري ، و لكن العامل الأكثر أهمية - في رأيي - سيكون ما حدث في العراق ، ليس لنسبة الفضل الى الأمريكيين و لا اتهاما لحركة المعارضة بانها أمريكية الهوى ، فهذا من السخافة بمكان ، لأن الحركة في قلبها جاءت اجابة على السؤال : و ماذا يفعل من يرفض أمريكا و من يرفض الديكتاتورية في نفس الوقت ؟ و جاءت ادراكا بأنه لا يمكنك أن ترفض الحديث الأمريكي عن الاصلاح لأنه تدخل أجنبي دون أن تحاول تقديم بديل وطني حقيقي ، الا و كنت مؤيدا للديكتاتورية أو منافقا في أفضل الأحوال.....و ربما كان قرب سقوط بغداد من الذكرى الخمسيينية للثورة المصرية تذكيرا بمآل ثورة التحرر الوطنية العربية ، و مدعاة للتساؤل عن مآل تلك الثورات و الى أي مسار انتهت و التساؤل عن السبب الذي دعا الأجيال السابقة للنضال من أجل تكوين الدولة القومية العربية ، و عن الاحلام التي حمّلت بها تلك الدول ، و عن أيها تحقق و أيها أجهض ،و التساؤل : هل ما نحن فيه هو ما ناضل من أجله أجدادنا في النصف الاول من القرن العشرين ؟ و التساؤل : هل فشلت دولتنا القومية العربية ؟ و هل كفر أبناء الوطن بها ؟ و هل وصل قطاع من أبناء الوطن الى درجة من اليأس تجعله يرحب و لو بالشيطان ليخرجه مما هو فيه ؟ و ما الذي يمكن فعله لاستعادة تلك الدولة ولاستعادة ايمان المواطنين بها و لاستعادة الاحلام و الآمال القديمة و لتذكر أن الاستقلال الوطني من الأجنبي جاء ليحمل مميزات لأبناء الوطن حرمهم منها المحتل ، و ليس لمجرد أن بكون لهم استقلال تتغنى به الأغاني دون أن يكون لهم في ذلك الوطن المستقل نصيب...؟
ضغط الأمريكيون على الادارة المصرية مطالبين بالاصلاح ، فلجأت الحكومة المصرية الى استثارة المشاعر الوطنية عند المصريين و مستغلة مشاعرهم المعادية لأمريكا ، و بذلك حصلت على تأييد داخلي معاد للضغوط الامريكية ، أما الخارج فتعاملت معه بأسلوب مختلف ، اذ استخدمت فزاعة الاسلاميين قائلة للغرب أن الديموقراطية تعني أن يصل المتشددون الى السلطة....
ازدادت الضغوط و زاد الاحتقان لاحقا ، فتم اللجوء الى تيمة "الاصلاح الاقتصادي أولا" ، فالاصلاح الاقتصادي أكثر أمانا و لا يصل بالمتشددين الى السلطة - في الواقع لا يصل بأحد الى السلطة - فضلا عن ان الشعب المصري شعب فقير و جائع و جاهل ، و هو بذلك لا يمتلك وعيا سياسيا كافيا ، و ممارسته لحريات سياسية تعني حدوث كارثة، و لذلك من الأفضل اشباعه أولا.... فتم تعيين حكومة تكنوقراط و التبشير بفترة من الاصلاح و الرخاء الاقتصادي دون اي حراك سياسي...
انفجرت الأوضاع في العراق و انتقل الوضع به من سيئ الى أسوء، و من استطلاعات الرأي الأولية التي أظهرت أن العراقيين على استعداد لمنح الأمريكيين فرصة الى أخرى رافضة لوجود الاحتلال.... كيف كان تأثير هذا على الساحة العربية؟ التيار الذي شعر بالاهانة مما حدث في 9 ابريل و بالاحباط نتيجة خياري المحتل الأجنبي و الوطني ، و الذي ستنبثق منه لاحقا حركة المعارضة عند بحثه عن بديل ، خفت صوته ، و علا صوت تيار آخر يؤيد المقاومة باعتبارها معيدة لجزء من الكرامة العربية المهدرة ( اعادة مجانية نوعا ما ، اذ عوضا عن مواجهة المستبد المحلي ، فان مهاجمة أمريكا لفظيا و التضامن المعنوي مع المقاومة العراقية معدوما المخاطر و مقبولان سياسيا )، و كلما غاص الامريكيون أكثر في المستنقع العراقي و كلما استمروا في ارتكاب الفظاعات علا صوت هذا التيار الذي يعتبر ما يحدث في العراق اثباتا لصواب موقفه قبل الحرب و اثباتا لأن الدولة الوطنية العربية لم تمت ، و ان الشعب العراقي لا زال على ولائه للنظام الوطني ، فضلا عن تماهي كل ذلك مع العداء لأمريكا الذي بلغ مستويات غير مسبوقة...
و هكذا استمر فهمي هويدي في كتابة عدد كبير من المقالات عن المقاومة العراقية و الصمود العربي ، و عند لحظة معينة وصل الخراب في العراق حدا مأساويا ، و بدت أمريكا مرهقة و متعبة ، و بما أنه لم يعد هناك تهديد جدي بغزو أمريكي لدول عربية أخرى ، فلم يتم قراءة هذا الخراب في اطار أنه مصير يتهدد الدول العربية اذا تم غزوها و لذلك يجب تقديم بديل لانقاذها من ذلك المصير ، بل تم قراءته في اطار أنه تم هزيمة المشروع الامريكي في المنطقة ( مما يدعو ذلك التيار الى الاحتفال فوق أنقاض العراق ) و أن المحصلة النهائية هي أن الاحتلال أسوء من الديكتاتورية... تمت الاجابة على السؤال الذي بدا شديد المرارة عندما سأله العرب لأنفسهم في 9 ابريل لدرجة مهدت الطريق أمام اجابة ثالثة أصعب على من يختارها و لكنها أفضل بما لا يقاس ... تم اختيار الديكتاتورية... و بذا جاء تصريح للشيخ يوسف القرضاوي الذي يستمع له الملايين متماهيا مع هذه العقلية فقال في برنامجه الشريعة و الحياة ردا على سؤال عن الاختيار بين الديكتاتور و المحتل الاجنبي :
"لا شك إن الإنسان لابد أن يوازن بين الأخطار بعضها وبعض وبين الأضرار بعضها وبعض أي الأضرار أشد؟ ضرر المستعمر القادم من الخارج له أهداف غير أهداف الأمة الكلية وبين الديكتاتور اللي هو أصله من الأمة ولكنه انحرف وطغى، لاشك أن الإنسان هنا يرتكب أهون الشرين وأخف الضررين، ضرر الديكتاتور اللي هو أصله من الأمة أخف من ضرر المستعمر اللي جاي وله أهداف أخرى ."
في الشهور القليلة الماضية شاهد المصريون لأول مرة متظاهرين و حركات سياسية و صحفا تخرق كل المحظورات ، أما النظام المصري فقد قرر الانتقال الى خيار جديد للتخلص من الضغوط بتبني النموذج التونسي ، و ستحمل لنا الشهور الفليلة القادمة اجابة عن اي الجانبين سينجح في تحقيق أهدافه ، النظام المصري مؤيدا بتيار "الصمود" العربي الذي يكره الديكتاتورية و لكنه اختارها ، أم الاصلاحيون الذين يحلمون بطريق ثالث و الذين بدؤوا حركتهم للخلاص من الديكتاتورية و من الخيار الامريكي فلم يجدوا الآن سوى أمريكا لتقف في صفهم - و تستغلهم ان وافقوا على التعاون معها - ، فضلا عن أن تعاونهم معها يعني القضاء عليهم شعبيا و الى الابد ،و تحديهم الأكبر هو أن يظلوا وطنيين و شعبيين و بعيدين عن امريكا ، و ناجحين في الوقت ذاته.....









