الخميس، سبتمبر 29، 2005

باطل!

صباح الثلاثاء 27 سبتمبر . "الرئيس المنتخب" يحلف اليمين أمام مجلس الشعب :"أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا علي النظام الجمهوري‏، وأن أحترم الدستور والقانون ، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة‏، وأن أحافظ علي استقلال الوطن‏، وسلامة أراضيه"
ها!
نواب المعارضة لا يقفون عند دخول الرئيس ولا يصفقون بعد نهاية خطابه. نواب الاخوان يقفون و يصفقون.
أغ!
يدعو للوحدة و يعد بالاصلاح و الديموقراطية. يقول في حواره المنشور بروزا اليومية أنه لن يغير المادة 76 من جديد و أن مسيرة الاصلاح مستمرة.
لا جديد..

مساء الثلاثاء. أصل الى ميدان طلعت حرب مبكراً. الباشوات اللواءات و الرتب الأخرى من الشرطة في ملابسهم البيضاء يجلسون على كراسي على الرصيف. بعض المخبرين و بوكس. أقرر أن أدخل جروبي حتى يحين موعد المظاهرة. أتذكر النقاش الحاد الذي دار حول عمال الاسبستوس و مقاطعة جروبي و الهجوم على المرفهين الأوغاد مرتادي جروبي. أفكر :" أن أدخله مرة واحدة لا يجعلني من معسكر الأشرار !". في المدخل ضابط أمن مركزي بملابسه السوداء و حوله جنوده يجلسون. أدخل أكثر. أجلس و أتطلع حولي. أتنبه لأربعة رجال يضعون لاسلكي أمامهم على الطاولة. أفكر: "أمن دولة". شيئا فشيئا أكتشف أن مجموعات الرجال مرتدي الملابس المدنية جامدي الملامح باردي النظرات تملأ المكان كله. المواطنون العاديون هم الأقلية. ضباط يدخلون و يخرجون من دورة المياه. جنود يدخلون للحصول على مياه. أشعر أنني أجلس في قسم شرطة. أطلب عصيرا و أشربه و أنا أشعر بالغثيان. أقوم عند الساعة السادسة.أعبر للجانب الآخر. بداية تجمع المظاهرة. بداية التجمع أكبر من المظاهرات التقليدية ذات الكردون و الأمن المركزي.

لم أحضر مظاهرتي 7 سبتمبر ( الانتخابات) و 9 سبتمبر ( اعلان النتيجة) و هما المظاهرتان اللتان اختفى فيهما ألوف الأمن المركزي بعرباتهم و حصارهم و حواجزهم الحديدية و تحولت المظاهرة الى مسيرة طافت وسط البلد و قفز فيهما العدد من عشرات و مئات الى ألوف.

مئات يتجمعون في طلعت حرب. بداية التجمع أكبر من أي من مظاهرات ما قبل الانتخابات التقليدية. لافتات عديدة. أعلام صغيرة تحمل كلمة باطل. بالونات صفراء. ملصقات على الأيدي و الرؤوس و الملابس. لافتات بلاستيكية. لافتات ورقية. لافتات قماشية. يبدأ الهتاف. هتافات كفاية المعتادة و ان كان التركيز على : باطل!

يذكرون للمرة الأولى أحمد عز و محمد كمال ، رجلا الحرس الجديد في الحزب الحاكم.

خلوه يحلف مية يمين
مش هيكمل ست سنين!


يحلفون اليمين الخاص بهم : " نقسم بالله العظيم ألا نورث أو نستعبد بعد اليوم، وأن نحافظ على استقلال القرار الوطني ، وأن لا تنهب ثروة مصر ، و أن نظل مدافعين عن الحرية والكرامة الوطنية وعدم الركوع أمام الولايات المتحدة، وعدم التطبيع مع الصهاينة، والله على ما نقول شهيد"

يعلن كمال خليل عن خط سير المظاهرة و عن حصر الهتاف أثناء المسيرة بهتافي باطل و كفاية.

البعض يرفع العدد الأول من جريدة الكرامة الذي يحمل مانشيت : " نقسم بالله العظيم لن يرثنا جمال مبارك"

دوم دوم دوم!

وصلت الطبلة! فكرة عمرو غربية و تنفيذ شباب من أجل التغيير.

دوم دوم دوم دوم! باطل!
دوم دوم دوم دوم! حسني!
دوم دوم دوم دوم! باطل!


تبدأ المسيرة في شارع قصر النيل. يمتلأ الشارع بالمتظاهرين. أقدرهم بما يزيد عن الألفين. جو من الفرح و الحماس. تصفيق و هتاف و قرع على الطبل. العديد من الشباب يستخدمون صفارات للتصفير مع كل قرعة طبل. و البعض يضع أصابعه في فمه و يصفر و هو يتمايل و يتقافز. الطبل و التصفير ينظمان الهتاف. لا أصدق الأجواء الاحتفالية بعد أن تعودت على كآبة الكردونات و العصر. أشعر بالانتشاء. أصفق و أهتف و أقفز و أضرب الأرض بقدمي مع نغمة الطبول. أشير بابهامي للأسفل ، ألوح بقبضتي ، أصنع علامة النصر.

دوم دوم دوم دوم! باطل!

لا ضرورة هنا لذكر الكلمة المملة التي اعتدت ذكرها عند وصفي المظاهرات السابقة : " وجوه المظاهرات التقليدية". أغلب الوجوه جديدة. شباب أصغر من عشرين عاما. فتيان و فتيات. أمهات في منتصف العمر. رجال مسنون. سيدات مسنة. رجال في منتصف العمر. البعض يرتدي الملابس البلدية. منقبات. محجبات. سافرات. عائلات كاملة. أب يصطحب أطفاله. أم و ابنتها. أشقاء. شقيقات. أرغب في احتضانهم جميعا .

دوم دوم دوم دوم! باطل!

أفرح عندما أرى أن المكون الرئسي للمظاهرة هم الشباب و الشابات الذين أراهم للمرة الأولى. مئات من الفتيان و الفتيات كالورد. متحمسون للغاية. فتاة محجبة تطارد متظاهرا يحمل لافتة مطوية لكي تحملها . فتى لا يمكن أن يكون أكبر من 17 عاما يقود الهتاف حتى ينبح صوته. صديقتان شابتان تمشيان سويا ، تجرب احداهما أن تهتِّف ، فتقول بصوت منخفض : يسقط يسقط حسني مبارك . أحرص على أن أردد خلفها مبتسما لها في تشجيع.

دوم دوم دوم دوم! باطل!

وجهي يحمل ابتسامة بلهاء ، كلما قابلت شخصا أعرفه أسأله : " جم منين كل دول! جم منين!"

يقول لي من حضروا مظاهرتي 7 و 9 سبتمبر أن هذه المظاهرة أصغر منهما حيث وصل العدد فيهما الى ما يقارب الخمسة آلاف. أرد : "اخرس! دي أحسن مظاهرة شفتها في حياتي!"

دوم دوم دوم دوم! باطل!
يا دي الزفت و يا دي الطين! لسة هيحكم ست سنين!


من شارع قصر النيل الى ميدان مصطفى كامل. توقف جديد لاعادة حلف اليمين و اعلان المطالب. المظاهرة تنقسم لمظاهرتين تقريبا نصف يمشي سريعا في المقدمة و نصف متباطئ في الخلف. يبدأ كل قسم في ترديد الهتافات.

ياللعار! ياللعار! مصر بيحكمها السمسار!

رجل يلبس فرخ ورق كامل يلف به جسمه و عدَّد عليه سلطات رئيس الجمهورية المطلقة. رجل آخر يلف رأسه و جسمه ببطاقات ابداء الرأي في الانتخابات الرئاسية محاطة بكلمة باطل. صورة كبيرة للرئيس تتوقف المظاهرة و يشير المتظاهرون باتجاهها و :

الحرامي أهو! الحرامي أهو! الحرامي أهو!

شارع عماد الدين. المحلات بعضها مغلق. الأرصفة مليئة بالمشاهدين طوال سير المظاهرة. يشاهدون في اهتمام. أسمع شابا يقول لفتاته : " اوعي يعتقلونا يا منى" خائفا من وقوفه للفرجة على المظاهرة. شاب يقول للمتظاهرين : " يعني مستنيينه لحد ما حلف اليمين؟ " فيجذبه أصدقاؤه و يعنفونه لكلامه مع المتظاهرين. شباب من أجل التغيير يمدون حبلا لتطويق المظاهرة محاولين فتح حارة لمرور السيارات. طوال المظاهرة يسير خلف المظاهرة و بجانبها الباشوات لواءات الشرطة و رجال أمن الدولة.

لن يحكمنا ابن سوزان!
لن يحكمنا حسني مبارك!
لن يحكمنا البيت الأبيض!


شارع 26 يوليو و طلعت حرب من جديد ، يستمر الهتاف و يواجه حاملو اللافتات المواطنين الواقفين للفرجة. يوزعون البيانات و يلقون داخل شبابيك السيارات بالملصقات. صوتي انبحًّ تماما. يداي تحمران و لا أشعر بهما مع كل التصفيق الذي صفقته. تؤلمني أذناي و رقبتي و أشعر أن رأسي و بطني ستنفجران كلما هتفت من جديد. راكبو الأوتوبيسات يحيون المتظاهرين.

كفاية!

و احنا مش بنبيع في مصر!

يسقط يسقط حسني مبارك


شارع عبد الخالق ثروت. تمشي المظاهرة عكس سير المرور للمرة الأولى. يمشي المتظاهرون فرادى وسط السيارات. سيدة في سيارة ترفع سبابتها لأعلى و تحيي المتظاهرين في سعادة.
عند نادي القضاة يصرخ متظاهر "مش عايزينكم يا قضاة!" يجذبه المحيطون به و يهتفون للقضاة : " احنا معاكم يا قضاة" فيهتف في غضب : " بتهتفولهم ليه ؟ بتهتفولهم ليه بعد ما أشرفوا على التزوير؟". نقابة الصحفيين. من وصل أولا وقف على السلالم. السلالم تفيض بالمتظاهرين. لا مكان على السلالم ، فيملؤ بقيتهم شارع عبد الخالق ثروت حول النقابة. " مش ممكن! جم منين كل دول؟ و كلهم شباب! شباب عاديين جدا!"

أقول لمصطفى في سعادة : " احنا كتير قوي!" و بصوت مبحوح أغني : "الشارع لنا ، لنا لوحدنا"
بيان و اعلان مطالب ، يستمر الهتاف و قرع الطبول قليلا. يبدأ العدد في التناقص. اعلان عن اجتماع تأسيسي لاتحاد العاطلين المصريين في طنطا. و عن وقفة احتجاجية لجماعة 5 سبتمبر.

انسوا التحليل السابق القديم. في شهر واحد أصبح تاريخا.

و.. باطل و نص!

( الأغنية من اعداد محمود توفيق)

هناك 8 تعليقات:

Guevara يقول...

أحنا كتير .. معاك .. احنا كتير فعلاً .. بس احنا فين ؟؟ في المظاهرات و خلاص؟

Alaa يقول...

فاتك لقطة مهمة و هي قدرتنا على التنظيم الذاتي رغم الفوضى اللي جوانا

بعد الوصول للنقابة حاول ظباط الأمن استخدام السيارات في تفريقنا أمروا السائقين أنهم يفوتوا في وسطينا، مجموعة من الشباب الغاضب راحت تسد الشارع و تمنع دخول العربيات من أصله

لأول مرة ظهرت مصفحة الأمن المركزي و أبتدا الظباط يهددوا، بعض من الكبار أتسرعوا و ابتدوا يتخانقوا مع الشباب عشان يرجعوهم

في الأخر حلينا الموضوع بأننا استخدمنا الأسوار الحديدية الشهيرة بتاعت الأمن عشان نفتح للمرور حارة واحدة لا تؤثر على المظاهرة

عربية الأمن تقدمت بحيث تمنع السيارات من الدخول في الحارة الوحيدة اللي مفتوحة، الشباب اتلم حوالين العربية بغضب و بدأ يخبط، بشكل صريح و مباشر هددنا الأمن بالتصعيد اذا ما سحبوش المصفحة، سحبوها و سيبنا المرور يعدي و حمينا حدود المظاهرة اللي اخترناها أحنا و كل ده من غير تنسيق مسبق، بالمبادرات الفردية و الارتجال

و وووش وووش وووش وووش باطل

ووش صوت الطبلة بعد الطبال الغشيم ما خرمها

Milad يقول...

دي مظاهرة باطل، لكن إمتى هتبتدي التحركات علشان انتخابات مجلس الشعب؟ الوقت بيجري بسرعة والانتخابات فاضل عليها شهر ونص بس. وبعدين مجلس الشعب محتاج مظاهرات في كل مكان، وسط البلد في القاهرة لا يكفي علشان الناس العادية تشوف وتسمع وتقتنع إن التغيير مازال ممكن.
ـ

ابن مصر يقول...

جميل قوي يا محمد قريت كلامك تلات مرات حاسس برعشة في جسمي ودمعة في عيني ...لسه في امل ...لازم حيقع زي غيره وقع ...السؤال امتي؟

Eman M يقول...

The idea of the drums is really great.
I felt the same like sonofegypt, your words made me feel I was with you.
Thanks Mohammed

Eman M يقول...

Mohammed,
Masrawy wrote about the Mozahra that its aim was just for the sake of Bani Suef incident.
I wonder about that, as Masrway mostly states the details of all the demonstrations whatever, f mesh fahma eshme3na deh

Mohammed يقول...

ايمان
مظاهرة الأدباء بخصوص حادثة بني سويف كانت يوم الأربعاء
مظاهرة باطل التي كتبت عنها حدثت يوم الثلاثاء

غير معرف يقول...

nnbc