( ما سيلي ليس تحليلا و لا تنظيرا و لا يعرض وجهة نظر متكاملة أو حتى رأيا . بعض العبارات ستكون تعميمية نوعا ما. تركيزي على الطبقة الوسطى الحضرية يرجع لكون معظم خبراتي مرتبطة بها. لا يعدو ما يلي أن يكون مجرد أفكار مبعثرة و ملاحظات متداعية كتبتها على مدى شهور. أعتذر عن الطول المفرط للتدوينة. )
أقرأ رواية ابراهيم عيسى الجديدة أشباح وطنية . لم يكن ليجد وقتا أفضل لنشر روايته ، فها هو بعد طول انقطاع رئيس تحرير صحيفتين عوضا عن واحدة، و وجه بارز و محبوب في الصحافة المصرية.
الرواية متوسطة المستوى ، أو لنقل أنها تنقسم الى شقين أحدهما جيد و الآخر سيئ للغاية.
يحكي عيسى عن مجموعة من أولاد الذوات يقضون وقتا في قرية سياحية مسكونة ، هذا هو الجزء السيئ من الرواية ، الذي يبدو فيه عيسى عاجزا عن حكي سلس أو حتى مقنع لمواقف مرعبة قريبة مما نشاهده في فيلم رعب أمريكي مثلا.
ثم يأتي دور الفلاش باك...
يعود عيسى بالزمن ليحكي لنا شيئا عن أبناء الذوات هؤلاء...
اختار عيسى أن يستخدم أسلوبا قريبا من أسلوب علاء الأسواني في عمارة يعقوبيان ، فرسم آباء هؤلاء الأولاد قريبين للغاية من شخصيات شهيرة:
أحدهم أستاذ القانون ترزي القوانين
و الآخر رئيس تحرير صحيفة قومية منافق و متسلق يتعامل مع المؤسسة كأنها ملك له و يقيم حفلا سنويا في عيد ميلاده
و والدة فتاة أخرى هي راقصة شهيرة تتباهى بمهنتها و تقدم نفسها كفاعلة خير...الخ
هذا هو الجزء الأكثر تسلية أثناء القراءة، فالراوي يكتب هنا عن أكثر ما يجيد كتابته ، و يرسم علاقات و تعاملات أهل القمة.
نالت رواية علاء الأسواني شهرة أكبر لأسباب عديدة و لأنها أيضا جاءت قبل "خرق الخطوط الحمر" ، أما ما يكتبه عيسى هنا فهو و ان كان متهما مدينا الا أن بامكاننا قرائته في جريدة . لا ضرورة أن يكون متخفيا في ثوب روائي.
الا أن عيسى لا ينسى استغلال الثوب الروائي ليظهر رئيس الجمهورية في صورة المتستر على الفساد ( يوصي مساعديه بأن يبلغوا فاسدا بأن ياخد باله ، و ان يتركوا ذلك المختلس يحسن دخله) ، و من يدافع عن البذخ و لا يهتم سوى بالاغنياء...
كان عيسى قاسيا للغاية على أبناء الذوات... قاسيا في رسم مصيرهم و في رسم شخصياتهم ...
جعلهم يعيشون في الجحيم : تنقلب عربتهم ، تمشي أمامهم الجثث ، تنضغط عليهم الحوائط ، يفاجئهم فيضان ، ينغمسون في الدماء ، تتتمزق أعضاؤهم ، تتفسخ جلودهم ، تسري فوقهم العقارب ، تطاردهم الأشباح و الوحوش ، يتعرضون للطعن و الضرب و السحق...
أما شخصياتهم فقدمها أحادية البعد : مغرورة ، لا مبالية ، أنانية ، جشعة ، غير قادرة على الحب أو التعاطف ، خبيثة ، خائنة ...الخ
سخر من نمط حياتهم كله من طرف خفي: سخر من ملاعب الجولف ، سخر من نواديهم الليلية ، سخر منهم عندما يقررون التدين ، سخر منهم عندما يقررون أن يكونوا روحانيين و يمارسوا اليوجا ، سخر من هواياتهم ، من تغربهم ، من محاولتهم التمسح بالفولكلور ، سخر من علاقاتهم ، من قصص حبهم...الخ
واجههم متهما على لسان الفتاة الروسية / الضمير : " هل فيه مرة واحد فيكم ركب أوتوبيس زحمة قوي و لقى ست شايلة ابنها على كتفها أو راجل عجوز ماسك أنبوبة الربو في ايده خايف من الخنقة ، عمركم شفتم بنت بتحري وراء الأتوبيس و بتحط رجليها على درجة الباب فالأتوبيس يتحرك فتقع على الأسفلت و الكتب تتحدف منها و تقوم تلم الجيبة عشان رجليها بانت و تدور على الطرحة أحسن شعرها انكشف و انفك قدام الناس ، عمركم ركبتم تاكسي و السواق قعد يحكي عن مصاريف المدارس و الواد ابنه اللي عنده ورم و قسط التاكسي اللي متأخر عليه ، عمركم اتخانقتم مع سواق ميكروباص عشان مزود الركاب عن العدد و كل شوية يسب الدين للعربيات التانية ، عمركم قدمتم ورق عشان قرار القومسيون الطبي ولا عديتم على مبنى وزارة الصحة و لقيتم في الشارع الجانبي ييجي ألف بني آدم واقف مستني قرارات العلاج على نفقة الدولة ، عمركم زرتم عنبر العظام و لا الحروق في القصر العيني ، شفتم فصل مدرسة فيه مئة و اتنين تلميذ و قاعدين على الأرض و فوق الشبابيك ، و لا أجرتم كرسي في مدرج كلية التجارة ، عمركم شفتم صور أمل دنقل و هوه في غرفة رقم تمانية في معهد السرطان ، عمركم وقفتم خدمة في الجيش و مشغلين الراديو الترانزستور بحجارة ملفوفة بأستيك على الراديو و هو مشغل أم كلثوم في عز البرد و الليل و الوحشة ، عمركم شفتم راجل بيعيط عشان الجاموسة بتاعته ماتت ، و لا شفتم عائلتين بيتخانقوا ليلة كتب الكتاب على قايمة العفش و مبلغ المؤخر اللي ح ينكتب في القسيمة؟"
***********************
أول ما قرأت لابراهيم عيسى قرأت له كروائي لا كصحفي.
قرأت له رواية قديمة : صار بعيدا ( مدبولي الصغير - 1993)
أحببت الرواية و تماهيت مع بطلها ( عيسى نفسه) و شعرت كأنه حين يحكي عن لحظات عائلته التي صارت بعيدة يحكي أيضا عن عائلتي أنا بالذات...
طقوس السفر ، و الأفراح ، و مشاهدة مباراة الاهلي و الزمالك ، و رمضان ، و العيد...
حكى بأسلوب رائع عن لحظات أي عائلة مصرية "عادية"...
لا يوجد هناك بالطبع ما يسمى بالعائلة المصرية العادية أو غير العادية ، و لكنها تلك التي تقدمها مسلسلات التلفزيون باعتبارها العائلة المصرية "التقليدية": العائلة المستورة - إلى ميسورة الحال من ساكني المدن مستبعدين الطبقات تحت خط الفقر أو فاحشة الثراء و الفلاحين / الصعايدة / البدو ، الذين لهم طقوس خاصة للظهور في المسلسلات بلهجة أخرى و عالم غرائبي مختلف له طرقه و عاداته المختلفة الغير "عادية"...
هل كانت الصدفة وحدها السبب في أن تتشابه طريقة حياة عائلتي الى حد كبير مع ما رواه عيسى جاعلة اياي أشعر بحميمية مذهلة ، أم أنه كان الانتماء الطبقي المتقارب الى حد بعيد ؟
************************
ولدت لأبوين تخرجا مما اصطلح على تسميته بكليات القمة ، مما أهَّلهما و أهَّل أبناءهما الى انتماء سلس الى الطبقة الوسطى.
كانت والدتي و اخوتها أول جيل من المتعلمين في عائلتها.
كان والدها ( جدي) بقالا أميا نزح من احدى القرى الصغيرة الى المدينة ، عمل لسنين طويلة ك"صبي بقال" ثم كشريك في محل بقالة حتى تمكن من الحصول على المحل الخاص به و والدته (جدتي) ربة منزل أمية من نفس قريته ، أما جد والدتي ( جدي الثاني) فكان نقاشا ( عامل دهان) أميا .
قضت والدتي طفولة صعبة مليئة بشد الحزام على الوسط في حين كافح جدي طوال سني عمره لتعليمها هي و اخوتها و ليظلوا "مستورين" ، و نجح في ذلك . كان التفوق كافيا في تلك الفترة الناصرية للصعود الاجتماعي. أصبح أبناء جدي مهنيين و ذوي ياقات بيضاء متخرجين من جامعات "محترمة" ، و بعيدين عن العمل اليدوي و انتقلوا الى قلب المدينة بعيدا عن الحي الفقير الذي نشؤوا فيه.
كان جد والدي ( جدي الثاني) عاملا يدويا نزح من بلد صغير في الصعيد - هاربا من ثأر كما يحكون- ، و كان والده ( جدي) فنيا بالجيش. تكاد قصة نشأة والدي تشابه قصة عائلة والدتي: فقر فدراسة فتفوق فالصعود درجة في السلم ، غير أن جدي و جدتي لوالدي كانا يجيدان القراءة ، كما أن جدتي حكت لي أن والدها كان تاجرا ثريا و أضاع ثروته تلك - أو أضاعها الورثة ، لا أذكر- و ما تبقى لها من ارثه باعته شيئا فشيئا لتتكفل بمتطلبات العيش.
في بعض الأحيان أفكر ماذا كان سيظن جد جدي - من أي الطرفين- اذا رآني الآن؟ شاب مدلل من أبناء المدينة؟ و في أحيان أخرى أفكر عندما يخاطبني شخص رقيق الحال ب"يا باشا" أنه قد يكون أحد أقربائي ، و أفكر أن لا طريقة - شريفة- له أو لأبنائه في أن يخرج من دائرة الفقر. أغلق الباب و أوصد . و أفكر في أحيان أخرى عندما أنظر لمجندي الأمن المركزي أنني كان من الممكن ان أكون واقفا الى جوارهم لو لم يتوفر لجديَّ الوعي الكافي بتوجيه أبنائهم صوب التعليم.
*********************
أجلس
وسط الدائرة على الرصيف في لاظوغلي و بجانبي يجلس مصطفى .
تحاصرنا دائرة من رجال الأمن المركزي و خارجها يقف مجموعة من ضباط أمن الدولة.
يشتبكون في نقاش مع علاء و د. نبيل : البلد ، الديموقراطية ، الحرية ، الفقر ، التعذيب...الخ
يشير الضابط جهتي أنا و مصطفى و يقول : " و الشباب دول متضررين من ايه؟"
يتجاوز الحوار هذه النقطة و لكنني أتذكر سؤاله جيدا...
صحيح ، هل لو بدوت أكثر فقرا كان ليجرأ على طرح سؤاله؟
فعلا ، الطبقة الوسطى أقل تضررا...
ربما لا يمكن أن تعد منتفعة ، و لكنها تنجح في تقليل الأضرار.
لا تعليم في المدارس؟ يمكنك أن تمنح أولادك تعليما خصوصيا في المنازل أو في مراكز تعليمية أقل سعرا.
حالة المدارس يرثى لها ؟ يمكنك أن ترسل ابنك الى مدرسة خاصة ( و هي متدرجة المستوى و الجودة حسب سعرها) أو ان كنت أدنى مرتبة في السلم الاجتماعي الى مدارس حكومية غير مجانية.
القطاع الصحي المجاني تعجز الكلمات عن وصفه؟ المستشفيات الخاصة ، فان لم تستطع فيمكنك أيضا أن تحصل على خدمة لا بأس بها في أجزاء غير مجانية من المستشفيات الحكومية .
لا فرصة عمل لابنك أو ابنتك؟ يمكنك أن تتجنب هذا الموقف بتعليمه في جامعات ذات مستقبل مهني جيد و ان كانت تشترط تفوقا فضلا عن النقود ، أو باستخدام الواسطة المؤثرة شحيحة الوجود نوعا ما في الطبقة الوسطى ، أو أن تشتري "مؤهلات اضافية" لابنك من دورات تدريبية مختلفة. لا حلول كثيرة هنا. الطبقة الوسطى متضررة هنا كثيرا.
وسائل المواصلات العامة حلقة من العذاب؟ تجنبها و استخدم وسيلة مواصلات خاصة أو الجأ الى وسائل مواصلات عامة أعلى سعرا نوعا ما و بالتالي أقل ازدحاما .
الشرطة تعامل المواطنين كأنهم قمامة و يشاع أن طريقة تحقيقها في الجرائم هي تعذيب المشتبه بهم؟ لا تقلق ، فطالما لم تكن سيئ الحظ لتدخل في مشكلة خاصة او تكون أحمقا لتتورط في السياسة فان الشرطة صاحبة نظرة طبقية ثاقبة : معاملتها لبيه : مهني من الطبقة الوسطى تختلف عن معاملتها لحرفي من الطبقة الدنيا. المقامات محفوظة.
الأسعار ترتفع؟ يمكنك أن تتحمل في صعوبة و لن تصرخ من الجوع.
فعلا ، "متضرر من ايه؟"
صحيح أن الحصول على النقود الكافية ل"تشتري" حقك في حياة بشرية ، عملية مرهقة تتطلب عمل ربي الأسرة ، ربما في أكثر من عمل ، أو حتى السفر خارج البلاد ، و التوتر و التحول ل"ثور مربوط في ساقية" العمل كما يقول المثل ، فضلا عن خطر الهبوط المعلق كمقصلة فوق الرقبة دوما. صحيح أنه لا بد أن ينالك من الضرر جانب ( تلوث الهواء ، فساد ، بيروقراطية ، بطالة ...الخ) و لكنه يظل متحملا ، قد يجعل مزاجك اكتئابيا دون أن يدفعك الى الانفجار: المخاطرة بضياع مصدر الرزق التي تعني الهبوط الى قاع اللاحياة.
في النهاية يمكن "للشباب دول" أن يحصلوا على حياة لا بأس بها من فائض نقود الأهل ، و أن يسيَّروا حياتهم بصورة لا بأس بها وسط الدولة الرخوة ، يمكنهم أن يشتروا بعض ال gadgets ، و أن يستمتعوا بوقتهم في أماكن لا بأس بها ، و أن يتباهوا ببعض الكماليات ، و يمكنهم الهروب من انسداد الطرق بالسفر و البحث عن فرصة في الخارج.
********************
من الذي تحدث عن شعور الذنب لدى الطبقة الوسطى؟
آه! علاء الديب:
" يحصل الواحد منا - أبناء الطبقة المتوسطة- على اكثر من حقه. انظر الى العارقين الكادحين حولك. هل تعرف كم يقبضون في آخر النهار؟ و كيف ينامون.. و كيف تنام أنت! فكر في المزايا المجانية الجسيمة التي تحصل عليها بجهد قليل أو بلا جهد على الاطلاق. شعور ساذج بالذنب مستمر و لكنه يكفي لكي يثير دائما نقاشا نظريا لم يحسم عن دور الطبقة المتوسطة في بلادنا و ماذا أخذت و ماذا أعطت."
*******************
كتب حسين عبد العليم رواية بديعة هي "فصول من سيرة التراب و النمل" يحكي فيها عن الدكتور عزيز و زوجته عايدة و ابنيهما فاروق المهندس و فؤاد الطبيب.
دوما في المنتصف... دوما في الوسط..يفكر فاروق : " شغلي في كهربة الريف كان آمن مفيهش خطر ... صحيح كان شغل جاد و متقن و أثره بيبان على الناس على طول و يرضي ضميري - لكنه آمن ... ليه أنا كده في النص ... أقل شجاعة من دخول السجن ... و مش في موضوعية نادية و وصفي... قلقان ... ليه قلقان؟؟
أنا طبقة عزيز بشرى فانوس ... انا عزيز بشرى فانوس ... أبويا لابد جوايا زي السرطان .... دنا حتى مش قادر أكون راضي عن نفسي زيه لا هنا و لا في مصر"
****************
يرى متخصص في دراسة الحركات الاسلامية أن تراخي موقف الاخوان مؤخرا يرجع الى كونهم أصبحوا جزء من المنظومة. أصبح الاعضاء منتمين للطبقة الوسطى. أطباء و محامون و مدرسون و أساتذة جامعات. أصبح لديهم ما يخسرونه.
الحل الاسلامي لديهم هو قواعد أخلاقية تطهرية أكثر صرامة في المجتمع و مشاركتهم هم في كعكة السلطة. بينما يشكل الحل الاسلامي عند اسلاميي الطبقات الدنيا طريقا للخلاص و التحرر من بؤس الحياة.
*****************
أشاهد حلقة من منى و أخواتها على قناة اقرأ. منى عبد الغني تنهمك في مناقشة مطولة مع أخواتها عن ... آداب التعامل مع الخدم. كيف تنصحين خادمتك باداء الصلاة و تعلمينها آداب الإسلام. كيف تحرصين على أن لا تجعلي هناك اتصالا بين زوجك و بين الخادمة. اذا أحضرت له الخادمة كوب ماء فلا تقدمه له مباشرة ، بل لكِ و أنتِ من تقدمينه له. لا تتركيه بمفرده معها. تناقشوا قليلا حول ما اذا كان هذا يعد ترك رجل مع امراة. ثم اتفقوا على انها امرأة مهما كان. أحضروا خادمة احداهن و أجلسوها وسطهن و بدؤوا في سؤالها عن علاقتها بسيدتها بينما تجبيهن في خجل. تتحمس احدى أخوات منى فتقول : " مفيش بيت يقدر يستغنى عن الخدامة"
***************
حكاية فصول التراب و النمل كأنها حكاية الطبقة الوسطى المصرية القديمة عبر مشاهد ممتدة من أربعينات الى تسعينات القرن العشرين.
باقتراب نهايات القرن العشرين يغزو التراب و النمل منزل العائلة و يتساقط أفرادها تباعا...
"مش البيت بس. التراب وصل لكل حتة جميلة.. (..) أنا تعبت.. تعبت... طول عمري أصولي و سليم ... ليه الناس مبقوش سلام. (..) كل أوضاعي سليمة ليه الزمان انقلب كده"
**************
ماذا حدث للمصريين ، هو عنوان كتاب جلال أمين الأشهر.أدين بالكثير لقرائتي لهذا الكتاب .. قبل أن أقرأ " ماذا حدث للمصريين" الصادر في تسعينات القرن الماضي ، كان الحديث عن الطبقات بالنسبة لي لغوا ماركسيا أفهمه ككلام مجرد و اعتبره شيئا ما سقط من عصر الثورة الصناعية....كانت قراءة هذا الكتاب لحظة انارة بالنسبة لي.. بدا لي حديثه عن الحراك الاجتماعي شيئا سحريا... النظرية الجامعة التي تفسر كل شيء....
يقول
عمرو : "يرتكز جلال أمين في تقديم تفسير عن ماذا حدث للمصرين على فكرة الحراك الاجتماعي كطريقة–هو لا يحب كلمات مصطنعة كـ”آلية”–للربط بين ظواهر يشهدها المجتمع المصري منذ أن بدأ تحديثه: اختلال الهيكل الإنتاجي (كثير منا كالحلاقين يقصون شعور بعض ولا إنتاج)، واختلال ميزان المدفوعات (دخلنا ريعي يعتمد على النفط، وتحويلات المغتربين، وعوائد قناة السويس، ناهيك عن المعونات الأجنبية. نستورد الكثير من الغذاء)، واختلال توزيع الدخل، وانخفاض معدل الادخار فالاستثمار، واختلال أنماط الاستهلاك والاستثمار، والفساد، وتدهور الحياة في المدن والقرى، وضعف الانتماء واللغة القومية؛ وبين أسباب يراها معظمنا كالانفتاح، والهجرة النفطية. فالعلاقة غير مباشرة بين الأعراض وبين هذه الأسباب.
يشهد المجتمع المصري حراكا اجتماعيا سريعا في الاتجاهين، فيهبط البعض السلم الاجتماعي، ويصعد الكثير. سبب هذا الحراك هو عملية التحديث التي يخضع لها مجتمعنا منذ عقود، والتي بدأت قبل 1952 بالتعليم، الذي هو أهم عوامل الحراك الاجتماعي، والذي استمر في الخمسينيات والستينيات مضافا إليه الإصلاح الزراعي، والتأميم، والحراسة، والتوسع في الدراسة الجامعية، والتنمية الزراعية والصناعية، ونمو المؤسسة العسكرية، ونمو البيروقراطية. استمرت هذه العوامل في السبعينيات والثمانينات، وأضيف إليها العمل الأجنبي (برموز التميز الاجتماعي المختلفة التي يوفرها)، والهجرة النفطية، وارتفاع معدل التضخم.
يوفر تفسير جلال أمين مساحة للتفاؤل، فهو بنظرته الأعرض زمنيا يرى حركة بينما يكتفي آخرون بالحديث عن طباع راسخة في المصريين كالسلبية والتبعية (وكأنهم نوع مختلف عن باقي البشر)، أو يشرحون كيف أن المصريين لم يعودوا رجال ونساء الأمس. يرى جلال أمين أن الحراك سببه وجود مساحة للتحديث، وأن التسارع في الحراك لا بد أن يعقبه تباطؤ ثم استقرار قبل موجة أخرى من الحركة. يمر المصريون في مراحل مختلفة من هذه العملية. أكثرهم حداثة يصبح الأقدر على رؤية سلبيات النمط الغربي، بل واقتراح بدائل له (تختلف عن بدائل الاسترجاعيين القوميين أو الدينيين). يبدو معظمنا اليوم في حالة حيرة (ومعهم حق) بين نمط حياة تقليدي لم يعد ممكنا الحفاظ عليه، وحداثة مستوردة لا تلائمنا في كثير منها"
كان تطبيق أمين التفسيري للحراك الاجتماعي على مختلف مناحي حياة المصريين في بقية فصول الكتاب
( التعصب الديني ، الوظيفة الحكومية ، مركز المرأة ، السيارة الخاصة ، أفراح الانجال...الخ) أول من وضع معنى بالنسبة لي لكثير من تصرفات الأشخاص المحيطين بي و الذين أحتك بهم ، بل و تصرفاتي ذاتها...
لماذا يحرص هذا الرجل على التبضع من محل شهير بغلو أسعاره و اعلان ذلك بالامساك بالحقيبة البلاستيكية التي تحمل اسم المحل في فخر ؟ لماذا تمسك هذه المرأة بالموبايل في يدها حريصة على ابرازه ؟ لماذا يخجل هذا الرجل من دخول هذا المطعم الشعبي بينما يدخله هذا الرجل بكل ثقة ؟
******************
أثناء الشهور التي استغرقتها كتابة هذا التدوينة حاولت أن أناقش مضمونها مع
عمرو ، فاعترض قائلا أن الخطوط الفارقة بين الطبقات غير واضحة مع وجود حراك اجتماعي لم يجعل هناك ثباتا أو استقرارا يمكننا من أن نصنف الأشخاص حسب طبقتهم. ثم قال : " يعني مثلا من يملك موبايل؟ كيف تصنفه ؟" قلت له أنني لست مهتما بمعرفة ذلك قدر اهتمامي بتعامل الأشخاص مثلا مع امتلاكهم للموبايل...
لماذا يكون للموبايل أهمية عند هذه السيدة و تمسكه في فخر لتعلن للعالم امتلاكها له؟ لماذا يعد هذا الرجل عدم امتلاكه لموبايل عارا يحرص على اخفائه ، بينما لا يبالي هذا الرجل بهذا الأمر؟
************
أذكر مشهدا من أحد أفلام الثمانينات تشتبك فيه الزوجة ( نعيمة الصغير) في جدال حاد مع زوجها الموظف لأنه لم يشتر لها خلاط المولينكس.
لم يكن هدف الزوجة استغلال امكانيات الخلاط في الطبخ ، بل كان محاولة لتأكيد أنها لم تهبط في السلم الاجتماعي و محاولة لاثبات أنها لا زالت من طبقة يمكنها شراء ذلك الخلاط. يالها من قيمة يكتسبها ذلك الخلاط هنا...
*****************
سخر موليير في "البخيل" من البورجوازيين الذين يحاولون اكتساب مكانة طبقية مرتفعة قريبة من النبلاء عن طريق زيادة انفاقهم الاستهلاكي.
الآن - و خاصة في المناطق الحضرية - فان عامل الأصل الطبقي أو المكانة بالوراثة اختفى تقريبا ، و لم يعد هناك من محدد للمكانة الطبقية سوى قيمة و نوع الانفاق الاستهلاكي.
ما قيمة ما ترتديه من ملابس؟ من أين تتبضع ؟ ما قيمة المنزل الذي تسكن فيه ؟ أين تقضي اجازتك السنوية ؟ أي نوع من السيارات تقود؟ أي السينمات تقصد ؟ ما قيمة الاكسسورات و الكماليات التي تستخدمها؟
*****************
هناك قدر هائل من الوعي بالطبقة في التعامل بالمجتمع المصري. الغريب أنه لا يطرح أبدا للنقاش.
يتبدى من عبارات تقليدية : " مش من مقامنا" ، " الناس تاكل وشنا" ، " ميصحش" ، و من تصرفات الأفراد و من طريقة تفكيرهم و رؤيتهم لما هو لائق و غير لائق اجتماعيا...
يزداد الأمر وضوحا عندما يتعامل أفراد من طبقات مختلفة...
أكثر المواقف ارهاقا و ضغطا على أعصابي هي عندما أتعامل مع من يختلف معي طبقيا و يكون وعيه بهذا الاختلاف مرتفعا فيتبدى في سلوكه عن طريق محاولته اثبات علو انتمائه الطبقي.
أذكر زميلة شعرت أنني أمثل لها تحديا طبقيا فانهمكت في دس الكلمات الاجنبية في حوارنا و الحديث عن ممتلكات عائلتها المادية...الخ حتى أوشكت أن أصرخ في وجهها و أن أرجوها أن توقف التمثيل لأنني لا أبالي بكل هذا الهراء أصلا..
*******************
عندما يتعامل أفراد من طبقات مختلفة فإن قدرا هائلا من الحساسية و التوتر تفوح رائحته في الهواء الا فيما ندر ، مع محاولات الجانب الأضعف في العلاقة ان يخفي ما لا يخفى على العيون المدققة أو أن يحاول اثبات ارتفاعه في السلم عن طريق ما يستهلكه..
***************
أتذكر هنا مناسبة عائلية ( قراءة فاتحة) وجدت نفسي مرغما على حضورها . نظرات الضيق - المخفاة في تسامح - مع قدر لا بأس به من الزهو - المخفى بتواضع - في عيون أسرتي و هم يدققون في علامات انخفاض مرتبة الطرف الآخر. و نشاط محموم لرب الأسرة من الطرف الآخر و هو يحكي عن أنه يمتلك شقة أخرى و أن عم الأولاد طبيب و أن ... و أن..
أشعر بالاختناق و أعزي نفسي بالتفكير في أننا سنأكل قريبا ، و هو السبب الوحيد الذي يجعلني أتحمل هذه العذابات الاجتماعية.
*************
أو ان كانت الفروق بين الطرفين غير قابلة للاخفاء فإن الطرفين يفضلان الاقلال من التعامل و اراحة الرأس من الصداع.
******************
من
تدوينة قديمة لي:
"كنت مدعوا لتناول الافطار مع مجموعة من اقربائي الذين يمتلكون محلا تجاريا و اعتادوا تنفيذ هذا الطقس مرة كل رمضان ، و ما أن دخلت من باب الشفة الا و وجدت اثنين من العمال الذين يعملون معهم في المحل في مواجهتي... صافحتهم.... و القيت نظرة قلقة على طاولة الطعام....
دعني اقدم لك العاملين... يمكنك ان تصنفهم ضمن طبقة ملح الأرض بكل سهولة... تلقوا تعليما بسيطا او لم يتلقوا تعليما على الاطلاق ، و يرتدون ملابس في غاية البساطة - ممزقة تقريبا- ، أما "راتبهم" فيحصلون عليه باليومية و ليس شهريا... و مقداره... يقارب دولارا أمريكيا واحدا كل يوم...
توترت... اذ حقيقة لم اعتد تناول الطعام عبر الطبقات الاجتماعية... فلم أكن من عائلة مثالية ليشاركنا الخدم طاولة الطعام... همست لنفسي " انهم ليسوا خدما".... و أقنعت نفسي بأن كل الهراء الذي أردده ليل نهار و تعاطفي الذي لا ينتهي مع الفقراء يخضعان للاختبار الآن.... دائما ما انتقدت تعاطف البورجوازيين مع الفقراء لأنه تعاطف مع أنف شامخ و في أحيان اخرى مغلق في تأفف ليمنح الفقراء قليلا من الفتات و يطلب منهم تناوله بعيدا ، اما ان تنهار الحدود فلا...
ثوان معدودة ، و بدأ أقربائي أصحاب المحل في اعداد طاولة في غرفة مجاورة ، و فهمت أنها للعاملين... ارتخت عضلات فكي المتوترة ، و اقنعت نفسي : " حتى يمكنهم هم ايضا تناول الطعام على راحتهم دون أن يشعروا بالخجل منا..."
مبروك يا محمد...
سقطت في الاختبار...
و بقيت المفامات محفوظة...."
***********************
قال
قرفان مرة أن أحد الاسئلة التي تسأل عند بداية التعارف في سوريا هي سؤال عن المدينة التي ينتمي لها الفرد او عائلته ، و الهدف هو معرفة طائفة المجيب عن السؤال : درزي ، سني ، شيعي ، علوي...الخ
في مصر يماثل هذا السؤال سؤال عن الاسم الكامل اذا لم يكن الاسم دالا على ديانة الفرد ( عماد و هاني و أمير و رامي و وائل...الخ عوضا عن محمد و أحمد و عبد الله أو مايكل و جورج و بيتر)
معرفة الانتماء الطبقي قد تتحدد من طريقة الحديث أو نوع الملابس ، فاذا كانت هذه الدلالات غائمة يكون السؤال هو عن محل السكن : " انت ساكن فين؟" ، و يتحدد به موقع المجيب على السلم الاجتماعي.
شاهدت البعض يتوترون و يتهربون عند الاجابة أو يجيبون بصوت خافت كاشفا عن شعورهم بالخجل من الحي الذي يسكنون فيه. و يعمد البعض عند الاجابة إلى ازاحة محل سكنهم قليلا ناقلينه الى محيط حي قريب يعرف بارتفاع مستوى ساكنيه الطبقي.
*******************
اضافة للوعي الطبقي أحب تسمية ما ألاحظه بالقلق الطبقي.. و هي تصرفات و أقوال لاثبات المكانة الاجتماعية عند من يشعر بتحد يواجه مرتبته الاجتماعية : ( شخص مختلف المكانة ، أو صعوده هو ذاته أو هبوطه في السلم)
*******************
بينما أكتب الآن قرأت
مقال أمينة خيري:
قبل أعوام ليست طويلة، كان إذا أتى فصل الصيف وانتهى الأولاد والبنات من امتحانات نهاية العام، استعدت الأسرة لما يسمى بـ «المصيف»، أي قضاء فترة من الصيف على شاطئ البحر. هذه الفترة قد تكون أسبوعاً وقد تكون ثلاثة أشهر، المهم أنها كانت تندرج تحت بند «المصيف».
وعلى رغم تعدد مقاصد المصيّفين بين مدن رأس البر، وبلطيم، وجمصة، وبورسعيد وغيرها، إلا أن الإسكندرية كانت ملكة المصايف المتوجة إذ كانت العائلات، والشبان والشابات، والصغار يتمتعون كل على طريقته، الأسر نهاراً على الشاطئ وليلاًَ في الشرفات البحرية أو في محطة الرمل في وسط الاسكندرية التجاري. أما الشبان والشابات فكانوا يوزّعون أوقاتهم بين الاستيقاظ المتأخر من النوم، والتوجه إلى البحر في المغرب، والتجول حول منطقة بئر مسعود ليلاً بحثاً عن مغامرة عاطفية.
لكن شباب الأمس يختلف تمام الاختلاف عن شباب اليوم. والسباحة في بحر الاسكندرية والاستلقاء على رمال شواطئها المتاحة للجميع صار سبة على جبين «الروشنة»، بل إنّ تصييف الأسرة في عروس البحر المتوسط شُبهة اجتماعية ووصمة طبقية لا يمحوها سوى بضعة أيام، أو ساعات، أو حتى دقائق في مصايف «الهاي كلاس» ليس بالضرورة بغرض الإقامة، لكن لمجرد التلصص على حياة لا يحلمون بأن يلعبوا فيها أدواراً رئيسية فاعلة.
بداية التلصص الشبابي الصيفي – على رغم أنها موجودة منذ كانت مناطق مثل المعمورة والعجمي والمنتزة ملتقى الشباب الراقي والثري - تأججت مع خروج مارينا على الساحل الشمالي إلى النور قبل نحو عقد من الزمان، خرجت مارينا لتعلن أن تصييف الشباب في الاسكندرية ليس مجرد «دقة قديمة» لكنه «دون المستوى» و»بيئة» واصبح في الامكان ترجمة الثراء الفاحش إلى ابتداع اساليب جديدة وغير مبتكرة لـ «الروشنة».
ولأن مارينا نجحت تماماً في إثارة كل أنواع الاحقاد الطبقية من كل الفئات العمرية، لا سيما الشباب من الجنسين، فما كان الجميع يشاهده في مسلسل «باي ووتش» على شاشات التلفزيون، بات واقعاً مرئياً وإن كان غير ملموس. وعلى رغم التحفظ الظاهري السائد على سطح المجتمع المصري «الشاب»، إلا أن هذا المجتمع الشاب «على أحر من الجمر» للاطلاع على التفاصيل الدقيقة لمعيشة «الهاي لايف» بكل ما تحويه من طرق النقيض الآخر بدءاً من «البيتش باغي» للتنزة على الشاطئ، والـPara sailing للطيران فوق الشاطئ، والبيكيني للاستعراض حول الشاطئ.
وتشهد مارينا منذ فتحت ابوابها لملاكها من اثرياء مصر والامة العربية حركات تسلل متعددة من جمهور الشباب الراغب في رؤية ما يحكي عنه المعارف، وما يقرأ عنه في الصحف الصفراء، وما يشاهده في البرامج التافهة من مسابقات الشواطئ وحوارات الفنانين الصيفية. والمثير أنه يسهل بالعين المجردة تصنيف السكان الاصليين على أي من شواطئ مارينا وتفريقهم عن المتسللين والدخلاء. فالسكان الاصليون من الشباب في مارينا تجدهم غالباً مرتدين ما قل ودل من الملابس، وهم إذا كانوا يتفحصون بعضهم البعض، فيفعلون ذلك بحنكة وعنجهية في آن، وتكون النظرات تنم عن استعلاء وتحدٍ. أما الدخلاء فيرتدون أبهى حلل العيد، القمصان والبنطلونات المنتقاة بعناية مع الاحذية والجوارب، وتكون نظراتهم زائغة من هول ما يرون، وحانقة لفرط المبالغة في الثراء الذي يشاهدونه.
وتحدث الكارثة حين يحاول أفراد من الفريق الثاني (الدخلاء) تقليد الفريق الاول، فيظهر الافتعال واضحاً، ويكون أمره مفضوحاً من أهل مارينا.
وفي صيف هذا العام، تألق شاطئ العجمي مرة أخرى مجدداً أمجاد أواخر السبعينات والثمانينات وذلك بإنشاء شاطئين خاصين ترعاهما شركتان متنافستان لخطوط الهواتف المحمولة. ويلقى هذان الشاطئان إقبالاً منقطع النظير من الشباب الـ «روش طحن موت» لكن بالمقاييس «المارينية» ممن بدأوا يتململون من «جمهورية مارينا الصيفية المستقلة»، ووجدوا في الشاطئين «العجميين» روحاً جديدة للصيف. فالـ»دي جي» فيهما أكثر مهارة في اختيار الموسيقى والاغاني التي تصيح في انحاء العجمي. لكن المثير في شاطئي العجمي أنهما مقامان على مساحتين متقاربتين من الشاطئ. أي أن هناك مساحة - وإن كانت صغيرة - تفصل بينهما. الكوميديا الحقيقية هي أن هذه المساحة الصغيرة شاطئ شعبي، أي يسمح بدخوله للجميع من حاملي أواني الطعام من محاشي ومعكرونة وفتة وملوخية، وممن يرتدون الجلاليب الواسعة، واغطية الرأس المزركشة ليس بدافع الموضة، بل على سبيل الحشمة والوقار.
وسبب الكوميديا هنا أنّه حين يتوجّه المصطافون الشعبيون صوب البحر، يجدون انفسهم في مواجهة صريحة وعاتية مع شباب وشابات الشاطئين الخاصين. فتجد «البيكيني» الساخن جداً على مرمى حجر من الفتيات اللاتي نزلن البحر بكامل ملابسهن وزينتهن. وتجد مايوهات الشباب ذات الماركات العالمية والورود والاشجار والرسوم الغريبة المطبوعة بألوان صارخة في تحدٍ أمام الشباب الشعبي الذي يستحم في البحر بالبنطلون والجزء العلوي من الملابس الداخلية. ولعل نظرات العيون التي يرمق بها كل فريق الآخر هي السمة الوحيدة التي توحد الطرفين. إنها نظرات ازدراء وعدوانية. تهب نسمة صيف على شواطئ العجمي ومارينا، فيستنشقها الجميع من دون استثناء، سواء ممن دفع اشتراكاً خاصاً ليتمتع بخدمات الشاطئ الخاص، وممن هبطوا على الشواطئ العامة ووجدوا في الجنيهات الخمسة لاستئجار المظلة مبلغاً باهظاًَ. لكن الشباب الأغنياء يشعرون بالظلم لانهم يعيشون في بلد واحد يسكنه الشباب البيئة على الطرف الاخر، والشباب الشعبيون يشعرون بالظلم لانهم يعيشون في بلد واحد تسكنه حيتان لا تعرف للفقر طريقاً. وبدلاً من عملية غسيل الهموم المعتادة في مياه البحر، تضاف هموم جديدة إلى الطرفين، فالأول يفكر في سبل إقصاء الطرف الثاني عن ناظريه. والثاني فكر في سبل التشبه بالطرف الأول، وكلاهما لا يتحقق... فيكون المصيف تحول عاملاً منشطاً للأحقاد الطبقية وطاقة مولدة للضغائن الاجتماعية بين «الشباب اللي فوق، والشباب اللي تحت».
**********
"قلبي يعورني" على رأي
شروقكان هذا شعوري عندما قرأت ( "ولاد ناس" ... سوق العمالة في مصر) فصل من ( أزمة عمالة الخريجات في مصر : دراسة اثنوجرافية ) - غادة برسوم ( وجهات نظر - ابريل 2005)
مقتطفات - بتصرف - :
ما هي مواصفات الموظفة المثالية حسب بعض شركات التوظيف و اصحاب الاعمال:
" اهم حاجة انجليزي كويس و كمبيوتر كويس و مظهر رائع و الاهم من كده تكون بنت ناس"
" انجليزي كويس ، شكلها كويس من عبلة كويسة ، واحدة شكلها زي الاجانب و الاحسن تكون نص خواجاية"
الانجليزي الكويس يعني نطقا خاليا من اللكنة المصرية ، فضلا عن أن الانجليزي ضروري حتى لو لم تكن الوظيفة تتطلبه فهو دليل على ان المرشح "راقي".
تقدمت فتاة للعمل و تم رفضها لانها تنطق كما ينطق معظم خريجوا المدارس العادية zat و لا تفرق بين ال b و ال p
كمبيوتر كويس: حنان ، كانت متعطلة وقت اجراء المقابلة معها و تبحث عن عمل ، أخذت دروس كمبيوتر. و لأنها لا تعرف أي مواد يجب ان تدرس بدات بال DOS و المقدمة الى Windows. لدراسة هاتين المادتين دفعت 180 جنيها. و بما أن راتب والدها هو 350 جنيها بالشهر فإن المبلغ الذي دفعته هو بمثابة ثروة. و رغم ذلك فلكي تكون مؤهلة كسكرتيرة يجب أن تكون على معرفة ببرنامج معالجة الكلمات و ربما أيضا برنامج برنامج إدارة قاعدة البيانات أو برامج الجدولة. هذه المعلومة لم تكن متوفرة لحنان. فقد ذهبت الى مركز تدريب الكمبيوتر قائلة " أريد تعلم الكمبيوتر"
مظهر رائع: أسلوب اللبس الصحيح هو أسلوب "الصفوة". فهيئة المرشحة يجب ان تظهر أنها تنتمي لخلفية اجتماعية جيدة.
قد تستطيع المرشحة الحصول على ملابس غالية الثمن عن طريق ادخار أو اقتراض المال و لكنها لا تستطيع خداع أصحاب الاعمال و وكلاء التوظيف الذين ينتمون عادة الى الطبقات المتوسطة العليا او العليا ، فيما يخص خلفيتها الاجتماعية اذا كانت من خلفية متواضعة.
بنت ناس: " تعليم كويس ، مدارس خاصة مش مدارس حكومة"
" تعرف تتصرف و عندها right attitude"
" عينها مليانة متبصش "
"بنت الناس عندها finesse ، انها أشياء لا يمكن تعلمها في المدرسة و لكن تأتي من "الأصل" "
تقول غادة برسوم انها حين تساءلت عن فرص العمل للخريجين من غير "ولاد الناس" تلقت اجابة من أحد أصحاب الشركات : " يروحوا يشتغلوا في محل فراخ"
*************
كتب حسين عبد العليم - الذي لا يلقى اهتماما كافيا للأسف- رواية أخرى هي بازل. هي رواية الطبقة الدنيا. طبقة ذات قيم و طرق تعامل مختلفة.
************
اقرأ
تدوينة الست نعامة عن منشية ناصر.
************
يقول لي
أحمد : " بالطبع هناك اختلاف. لغة مختلفة ، ملابس مختلفة ، قيم مختلفة ، عادات مختلفة ، و حتى دين مختلف"